عن المسيحي الكافر..

وللأسف شهدت السنوات الأخيرة حركة هجرة واسعة من إخواننا المسيحيين في العراق وسوريا ومصر وغيرها من البلاد العربية نحو أميركا واوروبا.. ولا يمكننا أن نلومهم ،فالديار لم تعد ديارا في ظل انتشار التطرف والجهل وعمى القلوب والعقول.

عن المسيحي الكافر..

محمد سناجلة

ذات مساء خريفي كنت أقود سيارتي عائدا للبيت بعد يوم منهك في العمل، فجأة، قفز طفل صغير لا يتجاوز السادسة من عمره أمام سيارتي، لم اكن مسرعا، لكن لم أستطع تفادي الطفل فضربته بمقدمة السيارة، أصابني ما يشبه الصعقة ولثوان بقيت مشدوها على مقعدي والرعب يشلني…

تماسكت نفسي وخرجت من السيارة، كان ابن الجيران الصغير الجميل بطرس مضرجا بدمه، حملته بلا وعي تقريبا ووضعته في السيارة، وانطلقت بأقصى سرعة لأقرب مستشفى، تم تقديم الاسعافات له ثم أدخلوه لغرفة العمليات لإجراء عملية مستعجله له، في هذه الأثناء حضر الشرطي المناوب، وقادني للتحقيق في الحادث، قبل أن يقودني للنظارة حيث احتجزني بقية الليل.

في هذه الأثناء كان الخبر قد انتشر في الحي،  فحضر الى المستشفى والد الطفل وجاري السيد حنا حداد وزوجته وابنه الأكبر.. ما حدث بعد ذلك كان مفاجئا جدا، وليس بالحسبان. السيد حنا حضر للنظارة، وتوجه لي بهدوء وسألني: هل أنت بخير، هممت بالاعتذار له، وأني لم أر الطفل إلا فجأة أمام السيارة، لكنه لم يمهلني فقال: لا تهتم، المهم أن تكون أنت بخير ثم توجه بحديثه للشرطي مباشرة بهدوء وتصميم: أرجو أن تفرج عن جاري فورا، جاري لا ينام في السجن، وما حدث كان قضاء وقدرا من الممكن أن يحدث معي أو معك أو مع أي إنسان.

أصبت بالذهول، وكذلك الشرطي الذي  تعود على زعيق أهل المصاب وتهجمهم بالشتم وحتى الضرب على مسبب الأذى لذويهم.

لم أكن أعرف حنا جيدا مع أننا كنا جيرانا منذ سنوات، وباب شقته يفتح على باب شقتي.. ربما لأنه مسيحي وأنا مسلم.. كانت علاقتنا رسمية نتبادل الزيارات في المناسبات والأعياد، وكل منا مشغول في عمله لكن الاحترام المتبادل كان عنوان العلاقة بيننا.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرا وأسمع واشاهد كل يوم في وسائل الإعلام والشارع الحديث الهمجي والمتطرف عن “المسيحيين الكفار في بلادنا”، والتحريض البائس على طردهم ونفيهم من ديار الاسلام، بل وصرنا نسمع في الفترة الأخيرة من بعض المتأسلمين ولا أقول المسلمين على ضرورة “أخذ الجزية من أهل الذمة الذين يعيشون في دار الاسلام”!

أي بؤس هذا وأي جهل!!

وللأسف شهدت السنوات الأخيرة حركة هجرة واسعة من إخواننا المسيحيين في العراق وسوريا ومصر وغيرها من البلاد العربية نحو أميركا واوروبا.. ولا يمكننا أن نلومهم ،فالديار لم تعد ديارا في ظل انتشار التطرف والجهل وعمى القلوب والعقول.

لكني أقول إن أغلب العرب قبل الاسلام كانوا مسيحيين، جدي وجدك وجده كانوا نصارى، ومن لم يكن جده نصرانيا كان وثنيا فتأمل! والكثير من المفكرين والعلماء العرب كانوا وما زالوا نصارى، وأبرز الاحزاب والحركات الفكرية العربية أنشاها نصارى، ونهضة العرب الحديثة بنيت بيد النصارى أو ساعدوا ببنائها.

وهم مواطنون ومخلصون للوطن مثلي ومثلك وأكثر. وتصور عالما عربيا بلا نصارى… ألن يكون عالما بائسا..

 

 

لمتابعة الكاتب على تويترعلى فيس بوك

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث