عُمان.. حكمة الإمبراطورية التاريخية

عُمان.. حكمة الإمبراطورية التاريخية

القاهرة- ربما كان الموقع الجغرافي لسلطنة عمان ليرسم لها خارطة سياسية ودبلوماسية مكنها من خلق توازن إقليمي ودولي، باتباع منهج سلمي قائم على التعاون لتحقيق المصالح المشتركة وتجنب الدخول في أي سباق مسلح والعمل بشكل جاد من أجل تسوية خلافات الحدود عبر الحوار، وعلى الرغم من أن سلطنة عمان عضو فاعل في مجلس التعاون لدول الخليج العربي، لكن لم يمنعها ذلك في الحفاظ على علاقاتها مع إيران الدولة التي توصف أنها العدو لدول المجلس، وعلاقاتها بإيران وضعتها في موقف متناقض في سياستها مع الغرب، لكن في وضعها الطبيعي كدولة تحتاج أن تمارس الدبلوماسية الحكيمة والسياسة الرشيدة والتفاوض الذي يحقق المصالح إقليمياً ودولياً، فالأمن القومي للسلطنة يرتبط بأمن إيران والخليج معاً.

وهذا ما يشير إليه د.عبد الحميد الموافي، الحاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، في كتابه الصادر مؤخرا عن دار الشروق القاهرة بعنوان “عُمان والأمن في الخليج”.. وقال: “إنه على الرغم من ارتباط هذه المنطقة بالعديد من المصالح الإقليمية والدولية من العالم سواء، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن هذه المنطقة لم تحظ بكثير من الدراسات القادرة على الغوص في أعماقها لتلمس اهتمامات دولها وشعوبها وتطلعاتهم وما يمثل لديهم من مواقف تهدد أوضاعهم”.

إن سلطنة عمان بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي على مدخل الخليج ومرور الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز التي تمثل بوابة الخليج. مكنها من لعب دور بارز وحيوي من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة في ظل تداعيات دولية وإقليمية تنشط في المنطقة. ويستعرض المواقف والمقترحات ومشروعات الأمن في الخليج، طارحا الاقتراح العماني لإنشاء ودعم الصندوق المشترك للدفاع عن مضيق هرمز، وأهمية الدور العماني في مجلس التعاون الخليجي تجاه قضية الأمن القومي.ويورد المؤلف الأهمية الجيوسياسية لبحر عمان باعتباره بحراً دولياً مفتوحا بحكم ما يقع عليه من كل من جمهورية إيران الإسلامية وباكستان على ضفته الشمالية. بينما تقع سلطنة عمان على ضفته الجنوبية والجنوبية الغربية، كما أنه يربط بين جزئين من المياه الدولية أو بين بحرين دوليين هما المحيط الهندي شرقاً والخليج عبر مضيق هرمز غرباً، بحكم اتساعه الذي يتجاوز بكثير الـ 24 ميلاً بحرياً في أضيق مناطقه.

ويلقي الموافي الضوء على المهددات الأمنية التي اتجهت في الماضي لمضيق هرمز وبعض ناقلات النفط. إذ أنها باتت تستهدف في السنوات الأخيرة محطات تكرير النفط والسفن الحربية الأمريكية والأوروبية ومصالح غربية في الخليج وهو ما عبر عن نفـسه بأشـكال متعـددة الأمر الذي غيَّر واقع وطبيـعة التهـديدات التي تعرضت لها المنطقة، وجعلها أكثر تعقيدا نظرا لطبيعة الأنـشطة الإرهـابية وقـدرتها على التخـفي بشكل أكبر، خاصة مع أزمة اليورانيوم الإيرانية والتي سعت بعدها إيران لطمأنة الدول العربية بأن برنامجها سلمي ولا تسعى لامتلاك سلاح نووي، إلا أن خطوات حثيثة لإستكمال مفاعل “بوشهر” مما زاد من تعقيد عملية الأمن في الخليج.

إن الرؤى الأمنية لدول المنطقة تختلف وفقا لهذه العوامل ويتلخص الأمر بضرورة استقرار الأوضاع السياسية وعدم الشعور بأي تهديد مباشر أو غير مباشر والقدرة على استخدام ثرواتها على النحو الذي تراه يتفق مع مصالحها ووفقا لرؤيتها خاصة بإبعاد المنطقة عن الاستقطاب أو الوقوع في دائرة الصراع والتنافس بين القوى الدولية. واستطاع مجلس التعاون الخليجي العربي أن يبلور إطار موقف جماعي مكتفياً عليه الدول الست الأعضاء حيال مختلف القضايا الخليجية والعربية وغيرها من القضايا ذات الأهمية لتشكل خطا يمكن رصده ومتابعته لمؤشر مهم على المواقف الجماعية.

ويستعرض المؤلف الرؤية العمانية للأمن في الخليج من خلال عدة عناصر، تأتي في مقدمتها موقعها الجغرافي وأهميته وتأثيره عليها وعلى سياستها وخياراتها، حيث يضفي عليها الموقع أهمية وحيوية تمكنها من السيطرة على الأوضاع الداخلية ووحدتها الوطنية وتحديد سمات الشخصية العمانية، والتي اتسمت بالهدوء والصلابة والقدرة على النظر بعيداً والحرص على التواصل مع الآخرين والإبقاء على خيوط الصلة مع الدول والشعوب الأخرى، بما يحفظ أمن الأرض والحفاظ على إستقلالها في مواجهة أي أطماع خارجية، وذلك بموجب إتفاقيات دولية شكلت حدودها بدقة في عهد السلطان قابوس، ولما كان البحر هو النافذة العمانية الأساسية إلى العالم من حولها مما شكل لها مركزاً، فضلاً عن مضيق هرمز والذي يمثل أهمية إقتصادية وإستراتيجية لدول المنطقة بشكل عام وعمان بشكل خاص، فنظراً لضيق عرض المضيق بين جزيرتي فوتين العمانية ولاراك الإيرانية، فإن دائرة المفهوم الأمني تتسع أيضاً في عمان لتشمله خاصة أن خطوط الملاحة في تلك المنطقة وفي المضيق بوجه عام تقع في الحياة الإقليمية العمانية.

ويشير د.موافي، إلى وجود أطراف مؤثرة في نظرية الأمن العماني وعلى مدار تاريخها، فإنها تستطيع حاليا التغلب على التهديدات والتحديات بشكل كبير يجعل من الصعوبة بمكان احتمال تجديدها، حيث حرصت القيادة العمانية على مواجهة هذه التهديدات عبر حدودها المشتركة مع جيرانها وصياغة سياسيات سلمية وقائمة على التعاون لتحقيق المصالح المشتركة بتجنب الدخول في أي سباق مسلح والعمل بشكل جاد من أجل تسوية خلافات الحدود عبر الحوار الموضوعي، والوسائل السليمة وبما يحقق المصالح المشتركة والمتبادلة معها.

ويختم المؤلف كتابه بالقول: “إنه بالرغم من الاهتمام العماني العميق والمتواصل بتحقيق الأمن في الخليج والسعي للحفاظ على الاستقرار فيه بكل السبل الممكنة، ورفضها من دول الجوار الخليجي أو المحاولة لإفشالها فلم تفقد عمان أهميتها بالنسبة للأمن في الخليج بعد امتداد الوجود الأمريكي منذ التسعينيات للقرن الماضي، إلا أنها لم تفقد الأهمية في ظل التقارب الواسع بين الدول، والذي لن يقلل من أهمية وحيوية وضرورة الدور العماني الذي سيكون عنصراً مساهماً بشكل كبير في تحقيق مزيد من الاستقرار والتعاون لصالح شعوب المنطقة جميعها فعمان صمام الأمن والأمان”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث