علاقة “الربيع التركي” بالحدث السوري

ما يجري في تركيا يمكن النظر إليه على أنه تحالف للسلفية العلوية والسلفية الماركسية اللتان تريدان مواجهة نظام الحكم التركي على قاعدة موقفه من الحالة السورية.

علاقة “الربيع التركي” بالحدث السوري

شاكر الجوهري

خمس حقائق يجب أن لا تغيب عن البال ونحن نعالج “الربيع التركي”.. والتسمية هي لوكالات الأنباء العالمية (الغربية)، وهي تسمية تطرح سؤالا وجيها:

هل هو فعلا “ربيع تركي”..؟ أم تراه تحركات غير متصلة بالداخل التركي.. خاصة وأن رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء، عمل منذ بداية الإحتجات السورية على اقناع الرئيس السوري بالإستجابة للمطالب الإصلاحية، قبل أن تنتقل عدوى الإحتجاجات إلى تركيا على قاعدة ايديولوجية دينية ماركسية..!

عل كل، الحقائق الخمس هي:

الحقيقة الأولى: أن حزب العدالة الحاكم لا يحظى بإجماع الأتراك.. في آخر انتخابات برلمانية حصل مرشحو الحزب على ستين بالمئة من مقاعد البرلمان. وهي نسبة تمثل الأغلبية المطلقة التي تقوم على قاعدتها الحكومات البرلمانية..

لكن نسبة الأربعين بالمئة الأخرى ليست قليلة..!!

الحقيقة الثانية: أنه من حق المعارضة في الأنظمة الديمقراطية أن تعبر عن آرائها.. هذه أحد أهم وسائل سعي المعارضة للتعبير عن مواقفها، واستقطاب الجماهير.. وصولا إلى تحقيق الأغلبية البرلمانية في الإنتخابات اللاحقة.

الحقيقة الثالثة: أن حكومات حزب العدالة والتنمية نجحت في تحقيق التنمية، وانهاء عهد الديون وتحقيق فائض بالمليارات.. باختصار.. انتشلت الإقتصاد التركي من عجوزاته المزمنة وارتقت به إلى الفائض.

الحقيقة الرابعة: أن معارضي حكومة اردوغان يتحركون على قاعدة ايديولوجية.. يكشف هذه الحقيقة أنهم يقفزون من فوق الإنجازات، ويختلقون الإشكالات.

الحقيقة الخامسة: أن الإسلاميين لا يذهبون إلى الإنتخابات مرة واحدة، توصلهم إلى السلطة، ثم تنتهي الديمقراطية، وتتوقف الإنتخابات، ولا تداول سلمي للسلطة.. منذ تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، والإنتخابات تجرى في مواقيتها بكل دقة.. كل أربع سنوات مرة.. ولم يشكك أي كان بنزاهة أي من الإنتخابات التي جرت.

لنقرأ المزيد من الحقائق في خصوص الوضع التركي:

• أن تحركات المعارضة التركية بدأت مؤخرا احتجاجا على موقف الحكومة التركية من الحالة السورية.

يجب أن نأخذ بعين الإعتبار هنا أن تركيا التي يبلغ تعداد سكانها 75 مليون نسمة، وفقا لإحصائية 2013، يوجد من بينهم ما بين 20ـ25 مليون علوي..!

• أن الإحتجاجات التالية انطلقت في عيد العمال العالمي في الأول من آيار/مايو الماضي.

• أن الإحتجاجات الثالثة (الأخيرة) تمثل انقلابا على خطط التطوير من وجهة نظر الحكومة.

الحكومة قررت تنفيذ خطة لتطوير ساحة تقسيم.. الساحة الرئيسة في استنبول، التي قضت (الخطة) باجتثاث 600 شجرة من حديقة “جيزي”.. وهي إحدى حدائق ساحة تقسيم، لتسهيل انشاء مشروع نفق المترو الكبير، الذي يعول عليه أن يسهم في حل ازمات المرور، ويختصر وقت الناس في المدينة التي يبلغ عدد سكانها خمسة عشر مليون نسمة.

كم تبلغ مساحة ساحة تقسيم إذا..؟!

في الأصل كانت تبلغ مساحة الساحة التي أنشئت سنة 1940 عدة كيلومترات مربعة.. لكنها تقلصت مع الزمن، كلما بني فندقا جديدا حول الساحة.

شخصيا لم ألحظ وجود كثرة متنزهين في هذه الساحة في المرتين اللتين زرتها فيهما.. هي في الأصل عقدة مواصلات عامة.. تحيط بها الأسواق والفنادق من كل مكان، وطوابير منتظري المواصلات العامة هي التي تصبغ المشهد بصورته العامة.

وفي ذروة الإزدحام المسائي في هذه الساحة يمكن للزائر أن يلاحظ مساحات واسعة جدا فارغة تتسع للآلاف من الناس لأن يسيروا فيها معا.

هنا يجب أن يلاحظ أيضا أن المظاهرات الإحتجاجية لم تقتصر على ساحة تقسيم في استنبول، وإنما هي انتشرت كذلك في العاصمة أنقرة، وأزمير المطلة على بحر ايجه.. حيث لا مخطط لاقتلاع أي شجرة..!

إذا القضية ليست ساحة، وإنما هو تحالف للسلفية العلوية والسلفية الماركسية اللتان تريدان مواجهة نظام الحكم التركي على قاعدة موقفه من الحالة السورية.

الخلاف بين اردوغان والأسد بدأ على خلفية رفض الأسد نصائح اردوغان بإجراء اصلاحات تضع حدا للإحتجاجات السورية..

الأسد رد مهددا بأن تشهد تركيا احتجاجات مماثلة.

وهذا ما نشهده الآن.

لكن المفارقات لا تفارق المشهد..

الإعلام العالمي الذي وصمه الأسد بالتآمر على نظامه، إلى جانب عدد من الدول، من بينها تركيا، ها هو يسمي الإحتجاجات التركية بـ “الربيع التركي”..!

وواشنطن التي تأخرت كثيرا في ابداء رأيها في الإحتجاجات السورية، وطريقة تعامل النظام السوري معها، بادرت في غضون ساعات قليلة فقط إلى انتقاد تعامل الحكومة التركية مع احتجاجات استنبول، التي لم يقل أحد من المحتجين شيئا عن اسبابها سوى أنه “لم يعد الأمر يتعلق بالأشجار، إنه يتعلق بكل الضغوط، التي تضعها الحكومة علينا الحكومة”، دون الإشارة إلى أي من هذه الضغوط..!!

إلى ذلك، سارعت وزارة الخارجية الأميركية إلى الإعراب عن قلقها من عدد الإصابات خلال التظاهرات في تركيا ودعت إلى احترام وتعزيز الحريات الأساسية للتعبير والتظاهر.

وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها بشأن ما وصفته بأنه “استخدام مفرط للقوة” من جانب الشرطة ضد الإحتجاج الذي بدأ سلميا.

إذا اردنا أن نعالج الأمر بتسطيح، يمكن المسارعة إلى القول أن اميركا وسوريا والماركسيين الأتراك، وكذلك العلويين الأتراك يعملون معا لإسقاط حكومة اردوغان..!

غير أن من يتعمق في الأمر لا بد أن يرى أن مؤسسات المجتمع المدني الأميركي، والأوروبي لا تنفذ السياسات الرسمية لبلدانها.. بل هي التي يمكن أن تؤثر على السياسات الرسمية.. أليست هي في النهاية التي تشكل الرأي العام الذي ينتخب الحكومات..!!!

بذات هذه الرؤية يجب أن ننظر إلى ما يجري في أي رقعة في العالم..

التحالفات.. كل التحالفات.. لها بداية ولها نهاية.. وما بين البداية والنهاية، هناك التقاءات على مصالح وسياسات مشتركة، تنبع من رؤية كل طرف لمصلحته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث