الطربوش.. بخطى سريعة إلى مثواه الأخير

الطربوش.. بخطى سريعة إلى مثواه الأخير

القاهرة – (خاص) من حازم خالد

“الطربوش” هو غطاء تقليدي للرأس، ساد في عهد الملك فاروق، واستقرّ على رؤوس التلاميذ والأفندية إلى أن قامت ثورة يوليو 1952، وبعدها قرر مجلس قيادة الثورة الإطاحة بكل الطرابيش على اعتبار أنها رمز من رموز العهد الملكي البائد، وقبل أن يذهب الطربوش إلى مثواه الأخير.. كان لابد لنا من التوقف في محطات رحلته الحافلة بالمواقف.

بقدر ما نجحت الثورة في معركتها مع “الطربوش” وأصبح الأمر يؤخذ الآن على سبيل النكتة أو الطرفة، بقدر ما كانت الجدية في التعامل مع الطربوش أيام الحكم الملكي ولم يكن يجرؤ موظف أن يدخل على رئيسه في العمل وهو خالع طربوشه، ولم يكن أي تلميذ يستطيع أن يذهب لمدرسته دون طربوش، فالطربوش كان بمثابة غطاء الرأس القومي بالنسبة للشرطة والجيش، والآن أصبح مادة للترفية والتهريج، ولم يعد أحد يتمسك به اللهم إلا بعض الفنادق الكبرى التي تقبل على شرائه، لارتدائه عند استقبال الزائرين والسياح كمظهر تراثي – لا أكثر – كما يقبل على شرائه بعض أعضاء الفرق الشعبية بأحياء القاهرة القديمة كنوع من الزينة في الأفراح.

وقد يعجب القارئ حين يعلم أنه لا يوجد الآن في مصر كلها سوى ورشتين فقط في حي الغورية بمنطقة الأزهر بالقاهرة، لصناعة الطرابيش، بعدما كانت هذه الصناعة منتشرة ومزدهرة، ومن الصعب جداً أن تجد محلاً تجارياً يبيع الطرابيش، بعد أن كان للطرابيش في مطلع القرن العشرين مصانع متعددة مجهزة لإعداد أجزائه وتقديمه لجمهور المشترين من أجود أنواع وبر الصوف والساتان كمادة مبطنة له.

لمن تصنع؟

من داخل الورشتين الموجودتين بالقاهرة ننقل صورة كاملة عن أحوال الطربوش المتدهورة بالقاهرة، الورشة الأولى تعرف باسم “ورشة الحاج أحمد محمد أحمد” وهي أول ورشة صنعت الطرابيش في مصر، بعد أن كانت تستورد من تركيا وانجلترا.. وسألنا صاحب أقدم ورشة:

لمن تصنع الطرابيش الآن؟

أجاب: أصنع الطرابيش لبعض الفنانين الذين يرتدونها في أداء أدوار تمثيلية قديمة في السينما أو المسرح أو التلفزيون، كما تطلبه الفنادق الكبرى، ليرتديه بعض موظفيها كنوع من الدعاية وتوحيد الزي.

للطرابيش ألوان مختلفة.. هل لكل لون دلالة معينة؟

كل طائفة من الناس ترتدي لوناً معيناً من الطرابيش يناسب طبيعة عملها، والورشة عندنا تصنع جميع ألوان الطرابيش والتي أبرزها: الأخضر والأسود والأحمر.. لكن اللون الشائع هو اللون الأحمر.

وعندما ذهبنا إلى الورشة الثانية بحي الغورية بالقاهرة قال صاحب الورشة: إنّ جميع دول العالم ترتدي أغطية للرأس.. وإن كنا رفضنا ارتداء الطربوش منذ عام 1952، فلماذا لا نبحث عن غطاء للرأس بديل له؟ وسألناه عن أسعار الطربوش الواحد.. فقال: يتراوح ثمن الواحد ما بين (20 ـ 40) جنيهاً.

سألناه: من الذي يقبل على شراء الطرابيش الآن؟

أجاب: السياح الذين يفدون إلى القاهرة يعتزون به ويقبلون على اقتنائه كمظهر من مظاهر التراث ويلتقطون صوراً تذكارية وهم يرتدونه.

أصل الطربوش

وسألناه عن قصة دخول الطرابيش مصر؟

فقال: عندما زار الملك فاروق – ملك مصر وقتها – النمسا شاهد الطربوش، فأعجب به وأمر حاشيته بأن يلبسوا طرابيشاً، ولبس “فاروق” نفسه طربوشاً!! وأصدر أمراً ملكياً لكل المصريين بلبس الطربوش.

واتفق “فاروق” مع مصنع في النمسا أن يعمل له فرعاً في مصر لكي يصنع الطرابيش، وأمر الملك فاروق بأن يحضر في القلعة صناع الطرابيش في مصر لصناعة طرابيش للجيش والحرس الخاص به.

وتختلف الأقاويل حول أصل الطربوش هل هو نمساوي الأصل أم مغربي الأصل؟ فالمغاربة اشتهروا بارتدائه منذ فترة طويلة، ولا أحد يستطيع أن يجزم برأي قاطع، ويقال أنه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي أصدر السلطان العثماني فرماناً للولايات العثمانية بضرورة لبس رجال الدولة وقادة الجيوش والافنديات الطرابيش.

وكان يطلق عليه “شربوش” في البداية إلى أن أطلق عليه “طربوش” قبيل اختفائه، واختفى الطربوش من تركيا على يد كمال أتاتورك – صاحب الثورة العلمانية – وتخلص من الطربوش باعتباره مظهراً من مظاهر الدولة العثمانية، غير أن أتاتورك لم ينجح بعد ثورته عام 1918 في إلغاء الطربوش من بعض الأقطار التي كانت تابعة للنفوذ العثماني، فلم يكن بوسع أتاتورك إصدار فرمان يتم تنفيذه بشكل عام.

أزمة سياسية:

في أوائل عشرينيات القرن الحالي كادت تحدث أزمة دبلوماسية تهدد العلاقة بين دولتي مصر وتركيا بسبب الطربوش!! فما حدث بالضبط هو أنّ وزير مصر المفوض بالعاصمة التركية ارتدى طربوشه كجزء من زي بلاده الرسمي في ذلك الوقت واتجه كالمعتاد إلى تلبية دعوة موجهة إليه لحضور حفل أقامه “كمال أتاتورك” وما إن رأى الأخير الطربوش على رأس الدبلوماسي المصري حتى شعر بالانزعاج، فلم يكن يريد أن تقع عيناه على أي رمز من رموز العهد العثماني المنصرم.

وأبدى “أتاتورك” ما يدل على أنّ وجود الطربوش على رأس الدبلوماسي المصري أمر غير مرغوب فيه، وكان الوزير المصري وقتها هو “عبد الملك بك حمزة” الذي شعر أن تصرف كمال أتاتورك معه يمثل إهانة لبلاده في شخصه، ولو لم يؤكد أتاتورك أنه لم يكن يقصد ما فهم من تصرفه، لحدثت أزمة لا يحمد عقباها في العلاقات الثنائية بين الدولتين بسبب “الطربوش” وفي عام 1952 تم في مصر إلغاء الألقاب والرموز التركية، ومن هنا فقد الطربوش نفوذه الرسمي.

طرائف طرابيشية

وكان من الممكن منذ عشر سنوات أو ما يزيد أن تلمح رجلاً في القاهرة – من كبار السن – يرتدي على رأسه طربوشاً ويرتدي الجلباب كنوع من الوقار، أما الآن فمن النادر أن تجد شخصاً واحداً يضع طربوشاً على رأسه، اللهم إلا إذا كان نوعاً من التهريج أو كمظهر من مظاهر السياحة، ومع أن الكثيرين يطالبون بعودة الطربوش كغطاء للرأس – أو إيجاد بديل له – إلا أنّ الطربوش أصبح الآن مجرد ذكرى في زحام الذكريات العتيقة في حياتنا، ولكن هناك من يريد أن يبعث الحياة في سوق الطرابيش، ومن يقف وراء ذلك ليس صانعاً ينعي صنعته، أو طالباً ينعي غطاءه.

وقبل أن تطوى صفحة الطربوش نذكر بعض الطرائف التي كان الطربوش عاملاً أساسياً فيها، فمثلاً كانت سيدة الغناء العربي أم كلثوم تغني عندما رأت موظفاً كبيراً من أصدقائها وجاء متأخراً عن موعد الابتداء، فضايقها ذلك فلم تترك فرصة في هذا اليوم إلا وضايقت صاحبها هذا الذي كان قصير القامة ويلبس طربوشاً طويلاً فانتهزت فرصة وقفت فيها عن الغناء فقالت له: أنت الليلة لابس طربوش “سواريه”؟ فقال: كيف؟! فأجابت على الفور: يعني لابس طربوش بكعب عالي!!

ومن طرائف الطربوش أيضاً أنّ الشاعر إبراهيم ناجي جلس مع جماعة من الأدباء خلعوا جميعهم طرابيشهم بسبب حرارة الجو إلا واحداً وألح الجميع عليه أن يخلع طربوشه فقال لهم ناجي: سيبوه.. يمكن لابس الطربوش على اللحم.

ولا ينسى المصريون ذلك المشهد المثير الذي وقع يوم وفاة الملك فؤاد عام1936 في قصر القبة، ولم تشهد القاهرة خلال تاريخها الحديث تشييعاً مماثلاً باستثناء يوم تشييع جثمان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عام1970، فقد استخدمت فيها كل مظاهر العظمة الملوكية، وكأنها موكب زفاف وليس تشييعاً، غير أنّ ما لفت الأنظار يوم تشييع جثمان الملك فؤاد أنّ شارع إبراهيم باشا كان مرصوصاً بالطرابيش الحمراء التي كان يلبسها المشاة والفرسان، حتى أن المذيعة الإنجليزية التي كانت تصف خبر التشييع من إذاعة “كايرو كولنج” بالإنجليزية نسيت شعورها ولم تؤثر فيها الموسيقى التي كانت تعزفها فرق الجيش، وانطلقت المذيعة تصف الطرابيش الحمراء التي كانت تغطي الشارع وكأنها سجادة ثمينة حمراء تتحرك مع حركة البشر.

وهكذا يسير الطربوش بخطى سريعة إلى مثواه الأخير، فهل يجد من يستنسخه ليحفظه لأبناء القرون القادمة ليعرفوا أنه في يوم من الأيام كان هناك شيء يوضع على الرؤوس يسمى طربوش.

[slideshow]7bb8bc80bccbad96096075a1ed8c2b04[/slideshow]

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث