وسائل التواصل تتحول إلى نقمة

وسائل التواصل تتحول إلى نقمة

وسائل التواصل تتحول إلى نقمة

إرم – (خاص)

مهما اختلفت وسائل تناقل المعلومات سواء كانت تويتر أو سينا ويبو (مدونة صينية صغيرة للتغريد تشبه تويتر) أو اليوتيوب أو الفيسبوك، أو أحاديث الجيران والأصدقاء، إلا أن تعدد منافذ المعلومات يؤدي إلى تحول مسار القوى من المنظمات الإنسانية إلى المجتمعات المتضررة من الكوارث، وفقاً لتقرير “العمل الإنساني في عصر الشبكات” الذي أطلقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) مؤخراً.

 

وفي هذا الإطار، قالت إيموجين وول، منسق الاتصال مع المجتمعات المتضررة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن “التكنولوجيا تغير طبيعة الاستجابة للكوارث تغييراً جذرياً وذلك لعدة أسباب، ربما أهمها أنها تغير الطريقة التي يستجيب بها الأفراد أنفسهم للكوارث”.

 

وأضافت قائلة: “تحول الهاتف بشكل سريع إلى ضرورة بالنسبة للمجتمعات خلال قيامها بتنظيم جهودها ومصادرها – سواء كانت تحاول العثور على أفراد الأسرة أو الوصول إلى الأقارب المقيمين في الخارج للحصول على المساعدة أو تنظيم جهود الإغاثة المحلية”.

 

وقال سيزار اسجيرا، الذي يبلغ من العمر 60 عاماً وهو أب لخمسة أبناء من الفلبين، أنه لا يفارق هاتفه المحمول أبداً، مما يسمح له بالاتصال عبر الرسائل النصية بأولاده وأقاربه وحتى المسؤولين المحليين.

 

فعندما تسببت عاصفة في حدوث سيول دامت أسبوعاً كاملاً في شهر آب/أغسطس 2012، مكث اسجيرا في منزله في مدينة باسيج بانتظار الإخطارات الأولى التي تصله عبر الهاتف. وقام اسجيرا بعد ذلك بتوصيل المعلومات لأسرته وجيرانه على وجه السرعة ونصحهم بالابتعاد عن نطاق الخطر. وتقع باسيج بالقرب من شريان المياه الرئيسي بمانيلا الذي يمر عبر البلاد التي يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة.

 

وأوضح بالقول: “أنت تعرف أن الحكومة ستساعدك، ولكن لا يوجد عدد كاف من رجال الإنقاذ للقيام بذلك. عليك أن تساعد نفسك بنفسك وإلا ستموت”.

 

وأفاد الاتحاد الدولي للاتصالات، ومقره جنيف، أنه في عام 2013، كان عدد الاشتراكات في الهواتف المحمولة يساوي عدد الأشخاص في العالم تقريباً، مع وجود أكثر من نصف هذه الاشتراكات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (3.5 مليار اشتراك من أصل  6.8 مليار).

 

المساءلة

وفي ظل قدرتهم على تنظيم جهود الإغاثة الخاصة بهم من خلال تويتر والفيسبوك (كما كان الحال في الفلبين)، تصبح المزيد من المجتمعات المتضررة من الكوارث أقل اعتماداً على المنظمات الإنسانية والحكومات كقنوات الإغاثة الوحيدة المتاحة.

 

ويرى بول نوكس كلارك، رئيس قسم الأبحاث والاتصال في شبكة التعلم النشط من أجل المساءلة والأداء في العمل الإنساني (ALNAP)، وهي مظلة ينضوي تحتها مجموعة من المنظمات الإنسانية ويقع مقرها في لندن، أن “التكنولوجيا تسهل أيضاً على الناس مساءلة الهيئات الدولية ومحاسبتها: فقد أصبح لدى الناس قدرة متزايدة على الوصول ليس للمعلومات الخاصة بالاستجابة على الانترنت فحسب، بل إلى الأهم من ذلك وهو القدرة على التواصل ونقل تجربتهم في مجال الاستجابة مباشرة لحكوماتهم والجهات المانحة والرأي العام الدولي من خلال منابر الاتصال مثل موقع اليوتيوب”.

 

من ناحية أخرى، ساعدت المدونات الصغيرة في الصين (نسخة أقصر وأكثر تركيزاً من المدونات التقليدية) المتطوعين على تنسيق جهود الإنقاذ السرية عقب زلزال 20 نيسان/أبريل الذي ضرب مقاطعة سيشوان وتسبب في مقتل نحو 200 شخص وإصابة أكثر من 13000 غيرهم. وبعد يومين من وقوع الكارثة، نظم المتطوعون جهودهم من خلال موقع “سينا ويبو” المدار باللغة الصينية الفصحى، وتحدوا تحذيرات الحكومة بإيصال المساعدات إلى القرى المتأثرة بالزلزال، وفقاً لما نقلته وسائل الإعلام الدولية.

 

حدود التكنولوجيا

وقال كلارك أنه على قدر الروايات الكثيرة التي تتناقل عن تعزيز التكنولوجيا لقدرة المجتمعات على الاستجابة للكوارث، إلا أن هذه التكنولوجيا لازالت تصل إلى نسبة ضئيلة فقط من المحتاجين إليها. فعلى الرغم من أن ما يقرب من 80 بالمائة من الأفراد في البلدان المتقدمة لديهم وصول إلى شبكة الإنترنت، تتراجع هذه النسبة إلى 32 بالمائة في آسيا والمحيط الهادئ و16 بالمائة في أفريقيا جنوب الصحراء.

 

وأضاف أن “التقنيات الحديثة تعمل بشكل أفضل حيثما تتمتع بالقوة والمرونة الكافية للتغير من دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة، وعندما تكون أيضاً متاحة ويمكن الوصول إليها. ولذلك، تكون النهج “الأقل تقنية” التي تعرفها المجتمعات جيداً مثل الراديو والهاتف، والتي لا تعتمد على الملمين بالقراءة والكتابة الذين يرسلون الرسائل النصية، هي الخيار الأفضل في بعض الأحيان”.

 

غير أن وول التي تعمل بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تقول أن هذه الفروق بين وسائل الإعلام المختلفة “مصطنعة” على نحو متزايد.

 

وأضافت أن “المبدأ هو أن نبحث عن ما يستخدمه الناس بالفعل ويثقون به، ثم نعمل من خلاله. ففي بعض الأماكن يكون الراديو، وفي البعض يكونون الأهل والأصدقاء، وفي البعض الآخر تكون وسائل الإعلام الاجتماعي. ولكن الوضع الأكثر شيوعاً، والذي يتواجد على نحو متزايد، هو أن يكون مزيجاً من وسائل الاتصال الثلاث حيث يقوم الناس بتغريد المعلومات التي سمعوا بها من خلال الراديو أو مناقشة المعلومات على موقع الفيسبوك مع الأصدقاء”.

 

وأضافت قائلة: “على كل الأحوال، ما الفيسبوك وتويتر إلا نسخاً رقمية من عملية نقل الأحاديث شفهياً”.

 

ووفقاً لما ذكرته إنترنيوز، وهي منظمة دولية غير حكومية تقوم بأنشطة التدريب الإعلامي، يتمثل أحد الفروق الرئيسية في أن “النسخ الرقمية” لتناقل الأنباء شفهياً قد تتعطل بسهولة أثناء حالات انقطاع التيار الكهربائي التي تحدث في أعقاب الكوارث. وحتى إن عادت الاتصالات السلكية واللاسلكية للعمل مرة أخرى، يؤدي افتقار الناجين من الكارثة إلى الإلمام بأمور التكنولوجيا، ومعظمهم من كبار السن، إلى احتجاب المعلومات المنقذة للأرواح عنهم.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا تُترجم التكنولوجيا دائماً إلى معلومات أكثر “قابلية للاستخدام”، كما حذرت ألانا الشيخ، مستشار “المعلومات الإستراتيجية” التي تعمل على التأكد من جمع البيانات الصحية السليمة واستخدامها في باكو عاصمة أذربيجان.

 

وأوضحت أن “السيول التي ضربت باكستان في عام 2010 تمثل هذه الحالة حيث كان الكثير من البيانات متوافراً إلا أن أحداً لم يقم بتفسيرها أو التصرف على أساسها. فيمكن لوسائل الإعلام الاجتماعي أن تتحول خلال كارثة ما إلى خليط مشوش من البيانات عديمة الجدوى”، موضحة أنه عندما ضرب إعصار ساندي الولايات المتحدة في أكتوبر 2012، أثارت الصور المزيفة التي أعيد نشرها بسرعة فائقة عبر توتير المزيد من الخوف بين السكان المحليين الذين يقطنون في مسار العاصفة.

 

وقالت وول من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن جميع وسائل الإعلام قد تنساق لنشر معلومات غير دقيقة أثناء حالات الطوارئ  – وليس فقط وسائل الإعلام الرقمية. ولكن بالنسبة للأخيرة على الأقل، يمكن القضاء بصورة أكثر سرعة على إشاعة انتشرت كالنار في الهشيم.

 

وأضافت أن “هناك دلائل على تحلي وسائل الإعلام الاجتماعي، في واقع الأمر، بقدرة أكبر على التصحيح الذاتي وتحديد المعلومات المضللة أكثر من قدرة وسائل الإعلام التقليدية على ذلك، وذلك نظراً لعدد الأشخاص المشاركين في هذه الوسائل، والمعرفة التي يمتلكونها جميعاً والسرعة التي تعمل بها هذه الوسائل”.

 

انتشار غير كاف

وحتى في ظل تضاعف وسائل الحصول على المعلومات، لازال العاملون في مجال المساعدات والمعونة يكافحون من أجل التواصل مع المجتمعات المتضررة من الكوارث.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث