محمّد الثّبيتي يفيقُ من الموتِ شعراً

محمّد الثّبيتي يفيقُ من الموتِ شعراً
المصدر: عمّان- (خاص) من فوزي باكير

ليس سهلاً، بعد ثلاثة أعوامٍ على رحيل الشّاعر السّعوديّ محمّد الثبيتي، أن نستذكرَ مُنجزَه وحياتَه دون التوقّف مطوّلاً عند مجموعته الشّعريّة “التّضاريس”، التي اعتُبرت، بالنّسبةِ لأدبِ منطقتِه، مفصلاً للحداثةِ الشعريّةِ هُناك، وأثارت جدالاتٍ واسعةً بين التيارات الكلاسكيّة والتيارات الحداثيّة في السعوديّة.

وعادت المجموعة، الصادرة في ثمانينيّات القرن الماضي، لتُحدثَ ضجّةً جديدةً قبل عامٍ من الآن، فعُثر على 2000 نسخة منها، مُهملةً في صناديق داخل قبو النّادي الذي طُبعت فيه قبل 25 سنة، لتُعتبر هذه المفاجأة حادثة تُعيد الثبيتيّ مرّةً أخرى إلى الواجهة الشعريّة، ولكنّ الموقف لم يخلُ من الشّعور بالخجل بسبب هذا الإهمال، إذ وجد الكثيرون أنّ الأولى بهذه المجموعة أن تكون موزّعة في المكتبات وأندية القراءة، بدلاً من إبقائها مخزّنة في المستودع.

ولم تكن المجموعة فقط من تعرّض للإهمال، فوضّح أصدقاء الثبيتي من خلال كلماتهم في رحيله أنه لم يجد من يرعاه صحّيا يُشرف على حالته الرديئة التي سببتها له جلطة في قلبه، وظلّ يتنقّل بين المشافي دون جدوى، وفق أصدقائه الذي يُعرف بينهم بـ “سيّد البيد”، وهذ اللقب مقتبسٌ من قصيدته “تحية لسيّد البيد”، من مجموعته “موقف الرّمال”، ويقول فيها:

“سَتَمُوتُ النُّسُورُ التي وَشَمَتْ دَمَكَ الطفلَ يوماً

وأنتَ الذي في عروقِ الثرى نخلةٌ لا تَمُوتْ

مَرْحَباً سَيَّدَ البِيدِ ..

إنَّا نَصَبْنَاكَ فَوقَ الجِرَاحِ العَظِيمَةِ

حَتَّى تَكُونَ سَمَانَا وصَحْرَاءَنَا

وهَوانَا الذِي يَسْتَبِدُّ فَلاَ تَحْتَوِيهِ النُعُوتْ”.

وعودةً إلى مجموعته “التّضاريس”، تُعدّ قصيدة “تغريبةُ القوافل والمطر”، من أبرز قصائدها، لسلاسة إيقاعِها وانسيابِه وثرائه، وعمقِ موضوعها الإنسانيّ، لذاك الذي يبحثُ لنفسِه عن وطنٍ “يُديرُ الرّؤوس”، كما واللافت فيها المونولوجات الداخليّة التي يقيمها الشّاعر في قصيدتِه، لتمنح القصيدةَ جماليّاتٍ تتكثّف من خلال هذه الحوارات التي تُحاكي الجغرافيا بعمقها التّاريخيّ، لأصالةِ تلك المنطقة وجماليّاتها:

“سلامٌ عليكَ فهَذا دمُ الرَّاحلينَ كتابٌ

من الوجدِ نتلوهُ

تلك مآثرهم في الرمالِ

وتلك مدافنُ أسرارِهِم حينما ذلَّلَتْ

لَهُمُ الأرضُ فَاسْتبقُوا أيُّهم يَرِدُ الماءَ

• ما أبعد الماءَ

ما أبعد الماء!

• لا، فَالذي عَتَّقتهُ رمالُ الجزيرةِ

واستودعتْهُ بكارتها يرِدُ الماءَ”.

وتتجلّى الرّؤيا لدى الثّبيتي في قصيدته “ترتيلة البدء”، والتي يُحقّق من خلالِها وجودَه كشاعرٍ مُنحازٍ لذاتِه بوصفها مسألةً “طينيّةً” تبحثُ في انحداراتِها وكيفيّة بزوغها، وكذلك ينحازُ بطبيعةِ الحال للشّعر الخالص:

“جئتُ عرّافاً لهذَا الرَّملِ

أسْتَقْصِي احتِمَالات السَّوادْ

جئتُ أبْتَاعُ أسَاطيرَ

ووقتاً ورمَادْ

بينَ عينيَّ وبين السبتِ طقسٌ ومدينةْ

خدرٌ ينسابُ من ثدي السَّفِينةْ

هذه أولى القرَاءاتِ

وهذا ورقُ التِّينِ يبوحْ”.

ومن القصائد اللافتة في المجموعة أيضاً، قصيدة “الصّعلوك”، ولعلّها تختزلُ حياةَ الشّعراء عمومًا بكثافةٍ وألقٍ وألمٍ كذلك، فيستدعي فيها تفاصيلَهم اليوميّة وطريقة حياتهم المُكرّسة للشّعر في ظلّ الآلام اليوميّة التي يعشونها، في ظلّ الهاجس الجماليّة الذي يسكنُهم رغم الواقع الصّعب المليء بالفقر والمعاناة، ومن القصيدة:

“يفيقُ منَ الجوع ظُهراً

ويبتاعُ شيئاً منَ الخبز والتمر والماءِ

والعنبِ الرازقيِّ الذي جاءَ مُقتحماً

مَوسِمَهْ

– مَنْ يُعلِّمُنِي لعبة مُبْهَمَةْ

* تَرَجَّلْ عنِ الجَدْبِ واحْسِبْ خطاياهُ

واسْفكْ دَمَهْ”.

ويختمها بقوله:

“يفيقُ منَ الشِّعر ظُهراً

يَتَوسَّدُ إثْفيَّةً وحِذاءْ

يُطَوِّحُ أقدامهُ فِي الهواءْ

– مَنْ يُطَارحُنِي قمراً ونساءْ

– ليسَ هذا المساءْ

ليسَ هذا المساءْ

ليسَ هذا المساءْ”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث