الطفل العبقري يواجه العالم

الطفل العبقري يواجه العالم

القاهرة- ماذا تفعل حين يكون لديك طفل عبقري يختلف عن أترابه من الأطفال الصغار؟، هذه حالة يواجهها بعض الآباء والأمهات، ويرتبكون في التعامل معها، إذ تظهر علامات النبوغ على الأطفال في سن مبكرة، رغم أن بعضهم لا يتميز تعليميا، إلا أن الله عز وجل منح بعضهم بعض الصفات التي تجعلهم قمة في التميز حتى عن الكبار، البعض يرجع هذه الظاهرة إلى طبيعة عصر “السوبر كمبيوتر” والفضائيات، التي قفزت بهؤلاء الصغار فوق حواجز السن والعقل فأصبحوا “سوبر” في كل شيء، سواء في تحصيلهم الدراسي أو في ألعابهم أو في معاملتهم مع آبائهم.

تشكو إحدى الأمهات، وتدعى سميرة إبراهيم (موظفة) من تعنت بعض مدرسي طفلها الوحيد بسبب تفوقه الدراسي، وتقول: “ظهرت بوادر القدرات والملكات العقلية الخاصة، ولاحظ والده أنه يسبق أقرانه بمراحل، ومنذ بلوغه عامه الرابع قررنا إلحاقه بأحد المساجد لحفظ القرآن الكريم، فأتم هذه المهمة بنجاح وعمره لم يتجاوز سبع سنوات، ومع دخوله المدرسة الابتدائية بدأ يطرح على مدرسيه أسئلة كانوا يحتارون في الإجابة عنها، بسبب تفوقه الدراسي وكثيرا ما تعرض مدرس الحساب بمدرسته لحرج شديد بسببه، وكنت أراه منذ صغره لا يجالس إلا الكبار، وبدلا من أن يحسب له تفوقه سواء في دراسته أو أمور الحياة الأخرى، بدأ يحتسب ذلك ضده، فبدأ مدرسيه يواجهونه ببعض القهر، مما شجع أقرانه على أن يعاملوه بسوء ويعتدون عليه وبدأنا في مواجهة سيل من المشكلات، وكاد ابني أن يتعرض لنكسة دراسية، لولا تدخل أبيه الذي بذل جهودا مضنية لإلحاقه بفصول المتفوقين، لكنني أخاف عليه بشدة من فهمه الزائد لأمور الحياة”.

ويقول ناجي عبد العزيز ( مهندس ) عن ابنه الصغير الذي لم يتجاوز 13 عاما، “ليس طفلا عاديا لأنني كنت أتابعه باهتمام شديد، وأوفر له رعاية كاملة، فاشتريت له منذ صغره جهاز كمبيوتر، وقبل ذلك علمته لعبة الشطرنج التي أحرجني كثيرا في مواقف وأدوار عديدة منها، فأصبحت وأنا ألعب معه أمارس ذلك بحذر شديد، وتفكير عميق وتفوق علي مرتين وعمره لم يتجاوز سبعة أعوام، وبدأ تعلقه الشديد بهذه اللعبة فكان يصر على أن يصطحبني عندما كنت ألتقي أصدقائي على المقهى لنمارس لعبة الشطرنج، وبدأ يشاركنا فيها، وصدقوني تفوق على كثير من أصدقائي الذين يتمتعون بمستوى طيب في هذه اللعبة، لدرجة أن بعضهم أطلق عليه “العبقري”، وفي البداية كنت متخوفا من تأثير ممارسته لهذه اللعبة على تحصيله وتفوقه الدراسي، لكن والحمد لله كان يحصل على أعلى درجات منذ التحاقه بمراحل التعليم المختلفة، وبدأ خوفي يزداد عليه بعدما تعرض لحادثة سقوط من شرفة منزلنا في الدور الثاني، لولا عناية الله، وأدركت أنه أصبح محلا للحسد، لذلك عندما كانت تجمعنا جلسات ببعض أقاربنا أو أصدقائنا، دائما تنتهي بمشكلة لأنني ووالدته أصبحنا غاية في الحساسية من كلماتهم وإعجابهم به، وشيئا فشيئا قاطعنا هؤلاء المقربين وأصبحنا نعيش في شبه عزلة، وقررت أن اشتري له الكمبيوتر ليؤنس وحدته، ووجدته متفوقا فأصبح خبيرا في كثير من مواقع الإنترنت”.

د.هناء صالح أستاذ علم نفس الطفولة والتربية، أوضحت أن الأبعاد التربوية والنفسية لهذه الظاهرة من الناحية البيولوجية في علاقة الأم بطفلها، تنقسم لثلاثة مراحل، أولها عندما يكون الطفل جنينا في مراحل الحمل، وثانيها في مرحلة الطفولة المبكرة، وثالثها في مرحلة الطفولة المتأخرة، ولكل منهما سماتها النفسية والتربوية المختلفة، ومن الناحية النفسية تنقسم الطفولة إلى مرحلتين منذ لحظة الانفصال المادي عن الأم بالولادة، وهما الطفولة المبكرة والمتأخرة، فبالنظر إلى القدرات والنمو العقلي وبناء الشخصية والعلاقات بالأسرة والآخرين، سنجدها مازالت محدودة، فمازال هذا الطفل يقتصر عالمه على أمه ثم أبيه، اللذين أكدت البحوث النفسية وعلم الوراثة، أنه ربما يرث منهما بعض الصفات كالذكاء والتفكير السليم، الذي يعتبر أساس القدرات العقلية لدى الأطفال ومعيار تفوقهم على أقرانهم، فيصبحون أطفالا غير عاديين.

وأضافت أن هناك جانبين لهذه القدرات وهذا الذكاء، أولهما وراثي سواء من الأبوين مباشرة أو من الأجداد، وثانيهما مكتسب بفعل علاقات الطفل بالعالم المحيط به من أشخاص وأشياء ومواقف.

أما د.أحمد حسن أستاذ علم الاجتماع، فيرى أنه لابد من التفرقة بين عاملين اجتماعيين يعيشهما الطفل العربي، أولهما عالمه الخاص الذي يعيشه ويقتصر فيه على أشخاص محدودين، هم الوالدين والأخوة والأخوات، وهنا ما تزال القدرات العقلية لهذا الطفل في هذا العالم الصغير ضئيلة، مقارنة بما سيصل إليه في عالمه الثاني عندما يكبر وتنضج أكثر قدراته وملكاته، ويتوسع في شبكة علاقاته الاجتماعية، فلا تقتصر على هؤلاء الأشخاص بعدما ينضم إليهم رفاقه وزملائه في المدرسة وأبناء الجيران والأقارب، ومن خلال هذه العلاقات الإنسانية تتضح أكثر مواهبه وقدراته بمقارنته بأقرانه، كما أن مداركه تتسع وتتزايد خبراته الاجتماعية فهو في هذه المرحلة العمرية يقوم بدورين اجتماعيين، أولهما كأحد أفراد الجماعة التي ينتمي إليها، سواء كان داخل أسرته أو بين رفاقه، وثانيهما كمراقب ومشاهد وملاحظ جيد يحاول تقليد الآخرين وتوظيف ما يرى أنه يقربه من قلوب وعقول الكبار، بهدف مشاركتهم وجدانيا عالمهم والتفاعل معهم، ولفت أنظارهم من خلال التركيز على ما يرى أنه يعجب الوالدين وأصدقائهما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث