سقوط الفرعون واستراتيجية الفوضى

سقوط الفرعون واستراتيجية الفوضى

القاهرة ـ (خاص) من أيمن رفعت

لعل ما أطلق عليه “الربيع العربي” بات أقرب إلى شتاء قارس البرودة. ففي ففي كل يوم تحمل الأخبار الجارية في مصر مفاجأة جديدة . ويوميا ثمة حالة شديدة من عدم وضوح الرؤية تسيطر على الجميع ، لا أحد يعلم ما يحمله الغد ولكن الجميع يدرك أن تاريخًا طويلًا قد بدأ.

في كتابه ” سقوط الفرعون .. ثمانية عشر يومًا غيرت وجه مصر ” يشير الكاتب روبير سوليه إلى اليوم الأول من الثمانية عشر يومًا التي غيرت وجه مصر وهو الثلاثاء 25 يناير 2011 إنه “يوم الغضب” الأول بمناسبة عيد الشرطة. مظاهرات، ثم تنظيمها في القاهرة ومدن مختلفة والشرطة تستخدم الغاز المسيل للدموع.

تحدد ميعاد مظاهرات 25 يناير قبل بداية أحداث تونس، “لم تكن المرة الأولى التي ينزل الناس فيها إلى الشارع في يوم عيد الشرطة”، ولكن هذه المرة كان هناك بن علي وتونس، وعلى الفيس بوك بدأت مجموعة اتخذت العلمين المصري والتونسي شعارًا في جميع توقيعات الإنترنت . لم يكن أحد في يوم الاثنين الرابع والعشرين من يناير 2011 يتصور ما يحمله يوم غد، حتى أولئك الذين نظموا الدعوة إلى “يوم الغضب” وهو ما أطلق عليه بالفعل “يوم الثورة”.

ويضيف الكاتب: قرر المعارضون القيام بمظاهرة يوم الجمعة 28 يناير في أعقاب الصلاة… وعلى الفيس بوك جرى توجيه الدعوة:”الجمعة 28 يناير.. الساعة الثانية عشر ظهرا : المطالبة برحيل حسني مبارك”.

قامت السلطات المصرية بإغلاق فيس بوك وتويتر . أما التليفونات المحمولة فلم تعد تعمل في القاهرة. فقد تلقت كل شركات المحمول الأوامر بوقف الخدمة.

وظل الإنترنت مقطوعا حتى صباح يوم السبت 29يناير ولكن التليفونات المحمولة بدأت تعمل بشكل جزئي، وفي وسط القاهرة تجمع آلاف المتظاهرين من جديد. ولكن حدث في القاهرة أمر لا يصدق : فقد اختفت الشرطة حتى في المنطقة المحيطة بالسفارة الأمريكية في جاردن سيتي، وبدأ البعض يستفيدون من هذا الوضع لنهب المتاجر . والسؤال هنا: كيف يمكن تفسير اختفاء الشرطة إذا لم يكن بوجود إرادة لنشر الذعر، حتى يرتد المواطنون ضد المتظاهرين؟.. إنها “استراتيجية الفوضى”.

ويقول المؤلف : كان ليوم 28 يناير المؤثر الذي حفل بالكثير من الضحايا والتدمير أثر مباشر على السياحة، فقد قام العديد من المسافرين الأجانب بتعليق سفرهم إلى مصر ، عشرات الآلاف من السياح الذين كانوا أصلا في مصر ، فقد ظلوا حبيسي فنادقهم حتى في الأقصر تم منعهم من الخروج ، لأن مواجهات وقعت وسط المدينة، وتم نهب بعض المحلات.

وفي 30 يناير أعلن فتحي سرور رئيس مجلس الشعب أن نتائج الانتخابات التشريعية سيتم تصحيحها وفقًا لما ستصدره العدالة من قرارات. أما الحكومة الجديدة التي شكلها الفريق أحمد شفيق فلا يوجد بين صفوفها وزيرًا منتميًا لعالم الأعمال وحل اللواء محمود وجدي الرئيس السابق للشرطة القضائية وإدارة السجون بالقاهرة محل وزير الداخلية المكروه اللواء حبيب العادلي.

أما الإخوان المسلمون فقد رفضوا الحكومة الجديدة ، وعلق سعد الكتاتني – أحد قادة الجماعة – “.. بأن الحوار لا يمكن أن يتم سوى مع الجيش، فهذا هو الحوار الوحيد المقبول ” وأعلنت الجماعة بأنها ستشكل لجنة سياسية واسعة مع محمد البرادعي بهدف بدء حوار مع الجيش، وهي تدعو إلى مظاهرات حاشدة في كل أنحاء مصر حتى يسقط النظام بأكمله، الرئيس، الحزب، الوزراء، البرلمان.

ويشير الكاتب إلى بيان للرئيس مبارك ، ذكر فيه أن “مصر تجتاز محنة حقيقية” وقال : إن الشباب من حقه أن يعبر عن نفسه، كما أعلن مبارك أنه لن يترشح لفترة قادمة في شهر سبتمبر، ولكنه استبعد في نفس الوقت فكرة التنحي: “إنني عازم تماما على ان أنهي واجبي تجاه وطني.. من خلال الحفاظ على الشرعية واحترام الدستور”. أما عن مغادرة مصر فهو أمر لايمكن له تصور: ” لقد عشت في هذا البلد وحاربت من أجله وسيحكم التاريخ عليّ. إن مصر هي وطني الذي سوف أموت على أرضه “، ولم ينتظر المتظاهرون المتواجدون بالتحرير نهاية الخطاب ، وسارعوا بالتعبير عن خيبة أملهم وغضبهم . فسرعان ما صاح واحد ممن يتزعمون المظاهرات في الميدان بمكبر صوت قائلًا: ” إذا كان الرئيس عنيدًا فنحن أشد منه عندًا ولن نغادر الميدان”.

ويشير الكاتب إلى جمعة الرحيل ، قائلًا: أعلن المتظاهرون أن يوم الجمعة 4 فبراير ، الحادي عشر من بدء المظاهرات ، سيكون رحيل مبارك بالطبع ، وقام شباب ثوار مصر بتعليق لافتة ضخمة فوق واجهة إحدى البنايات في الميدان سجلوا بها اثنى عشر مطلبًا : “تنحي الرئيس، حل البرلمان، الانتهاء الفوري لحالة الطوارئ، إقامة حكومة وحدة وطنية انتقالية، وإجراء تعديلات بالدستور، ومحاكمة المسؤولين عن قتل شهداء الثورة، وكذلك الفاسدين”.

ويصل بنا الكاتب إلى يوم الخميس 10 فبراير اليوم السابع عشر من الاحتجاجات، قائلًا: بدأت الأمور تتطور بسرعة ، فقد صرح مسؤول كبير بالجيش – رفض ذكر اسمه – إلى الصحفيين ” بأن الجيش في انتظار أوامر ستسعد الشعب”. أية أوامر؟ ومن سيصدرها؟. وجاء البيان رقم2 حيث بدأ عقيد بالجيش تلاوته أمام القصر الرئاسي . وكان البيان كالدش البارد: يعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه ” الضامن” لتنفيذ الإصلاحات التي اقترحها مبارك . وفي الختام يقول الكاتب : كانت الساعة السادسة وثلاث دقائق عندما ظهر نائب الرئيس اللواء عمر سليمان على شاشات التلفزيون بنبرة حادة إنه : ” نظرًا للظروف العصيبة التي تمر بها البلاد ، فقد قرر الرئيس حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية ، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد”.

وفي ميدان التحرير تعالت صيحات هائلة ومدوية لا نهاية لها ، تحيي هذا الإعلان ارتفع عبر مكبر الصوت ” الشعب خلاص أسقط النظام ! الشعب خلاص أسقط النظام “.

كتاب ” سقوط الفرعون .. ثمانية عشر يومًا غيرت وجه مصر” للكاتب روبير سوليه من ترجمة د. ناهد الطناني وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث