هل نهتم بما فيه الكفاية بالعنف الجنسي؟

هل نهتم بما فيه الكفاية بالعنف الجنسي؟

كانت نومسا* البالغة من العمر 20 عاماً في طريقها للتسجيل في جامعة خارج بريتوريا بجنوب أفريقيا برفقة أربع من صديقاتها عندما قام رجال باختطافها. وعن تلك الحادثة قالت: “لقد حاولت مقاومتهم”. لكن الرجال قاموا بسحبها إلى بناية وتناوب خمسة منهم على اغتصابها، بينما هربت صديقاتها ولم يعدن للبحث عنها. وبعدها قام الرجال بأخذ الهاتف النقال الخاص بها.

عادت نومسا بعد ذلك إلى منزلها الذي يبعد أكثر من 500 كيلومتر عن إقليم كوازولو ناتال. وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت الطالبة أنها بعد أيام قامت بالاتصال برقمها وقام أحد الرجال بالرد على الهاتف.

وعند سؤالها حول ما إذا عرفت الشرطة أجابت: “نعم، وما يزال بإمكان الشرطة القبض على الرجال”، ولكنها لم تعرف بمن تتصل. فقامت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بمخاطبة رئيس وحدة العنف الأسري وحماية الأطفال والجرائم الجنسية في شرطة جنوب أفريقيا، وقام مسؤول منزعج بالاتصال بعدها بأسبوعين ليسأل لماذا قامت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بالشكوى وقام بتسجيل رقم هاتف نومسا المسروق.

وبعد بضعة أشهر، كانت نومسا في جوهانسبرج تزور عمتها التي كانت تحاول مساعدتها ولكنها لم ترغب في مقابلة شبكة الأنباء الإنسانية. ولم ينتج عن دليل الهاتف أي شيء ولم تقم الشرطة بالاتصال بها مرة أخرى ولم تحصل الفتاة على أي استشارة. وعلى حد علمها لا يزال الرجال طلقاء.

وقد حدثت محنة نومسا بعد أسابيع فقط من الاغتصاب الجماعي البشع لطالبة العلاج الطبيعي في العاصمة الهندية دلهي في ديسمبر 2012 والذي انتهى بموتها بسبب إصابتها بالحادث. وقد عبر آلاف الهنود عن غضبهم بالخروج إلى الشوارع لأسابيع وهو ما تصدر العناوين الرئيسية في جميع أنحاء العالم.

أما خبر اغتصاب نومسا فحصل على فقرات قليلة في وسائل الإعلام المطبوعة. كما أنها واجهت عدم اكتراث ولا مبالاة من صديقاتها ومن الشرطة ومن وسائل الإعلام ولم يهتم أحد فعلاً بما حدث لها.

ما الذي يحدد نوع الاستجابة؟

وتبقى الأسباب التي تجعل بعض الحالات تستدعي استجابات قوية بينما لا تحصل حالات أخرى سوى على اللامبالاة محل تكهنات وتحليل. فقد أوردت وسائل الإعلام الهندية تقارير عن العشرات من حالات الاغتصاب كل أسبوع منذ حادثة دلهي، لكن لم تثر جميع الحوادث نفس الشعور بالغضب. وربما يعود سبب التعاطف مع طالبة العلاج الطبيعي إلى أن غالبية المحتجين كانوا من الطبقة المتوسطة الحضرية والعديد منهم من النساء، ولذلك استطاعوا أن يشعروا بنفس شعور الضحية. وقالت الناشطة الهندية اس اس سميثا أن “عدم الاكتراث يشل الرغبة في العمل”.

وقد توصلت الدراسات الاجتماعية والنفسية إلى تفسيرات عديدة لهذه اللامبالاة. فقد أظهر “تأثير المتفرج” الذي شرحه جون دارلي وبيب لاتاني في عام 1968 أنه كلما زاد عدد المتفرجين والمارة في موقف طارئ قل احتمال أن يقوم أي منهم بالمساعدة. فالمساعدة تحدث فقط عندما يتعاطف المارة مع الضحية.

أهمية المجتمعات

قرر جيران وكذلك زوجة أحد الجناة الذين قاموا بالاغتصاب الجماعي في الهند قطع علاقاتهم بهذا الرجل حيث قالت زوجته آشا لأحد الصحف أنه لا بد من شنق زوجها بسبب الجرم الذي اقترفه. وقد مات هذا المتهم أثناء وجوده في الحجز.

وقام سكان سويتو- التي تضم واحداً من أعلى معدلات العنف الجنسي في جنوب أفريقيا- الذين غالباً ما يكونون هم أنفسهم ضحايا، بالتواصل مع الأشخاص الذين تم الاعتداء عليهم واستضافة الأطفال في بيوتهم بعد المدرسة للحفاظ على سلامتهم. وتعد هذه مبادرات بسيطة قام بها أفراد عاديون غير مدربين.

ولابدّ أن يكون العمل المجتمعي متحرراً – فلا ينبغي أن يضيق الخناق على حرية الحركة أو التعبير للفئات الضعيفة، ولا يجب أن يكون رجعياً كإجبار النساء على ارتداء نوع معين من الملابس.

نحتاج إلى رؤية جديدة

ينبغي توظيف الثقافة والدين والتقاليد لدفع السلوكيات الإيجابية وليس لتبرير العنف بدورها، قالت لاكشمي بوري، نائبة المدير التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة: “نحتاج إلى تحويل اللامبالاة العامة تجاه العنف ضد النساء إلى تعاطف عام لحقوق المرأة. ينبغي توظيف الثقافة والدين والتقاليد لدفع السلوكيات الإيجابية وليس لتبرير العنف ونحتاج أيضاً إلى قوانين ومؤسسات وقوات أمن لتقديم خدمات الوقاية والحماية والاستجابة”.

والنهج المتعدد القطاعات لن يعالج اللامبالاة فحسب ولكنه سيعالج أسبابها أيضاً. وقالت أيضا: “قد يكون العنف ظاهرة عالمية ولكنه دائماً ما يتأثر بالسياق الاجتماعي الثقافي وهذا هو السبب في رؤيتك للتباين في الإحصاءات في مختلف البلدان”.

وقد قامت منظمة الصحة العالمية بجمع قائمة بعوامل الخطر المرتبطة بالعنف الجنسي وعنف الشركاء في العلاقة الحميمة للأفراد في العائلات والمجتمعات. وهذا يشمل الاعتقاد في شرف الأسرة والطهارة الجنسية وايدولوجيات الاستحقاق الجنسي للذكور والعقوبات القانونية المتراخية للعنف الجنسي وانخفاض مستويات التعليم والتعرض لسوء معاملة الأطفال.

وطبقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن جهود منع مثل تلك الهجمات لم تكن مثمرة حيث ذكرت المنظمة أن “هناك حاجة إلى المزيد من الموارد لتعزيز الوقاية من العنف الجنسي وعنف الشريك في العلاقة الحميمة، ويشمل ذلك الحماية الأولية أي منع العنف من الحدوث في المقام الأول”.

وتقول منظمة الصحة العالمية أن “هناك بعض الأدلة من الدول المرتفعة الدخل بأن البرامج المدرسية لمنع العنف في إطار العلاقات الغرامية قد أظهر فاعلية. ولكن لم يتم تقييم تلك البرامج بعد للاستخدام في البيئات الفقيرة الموارد. وقد أظهرت استراتيجيات أخرى بعض الأمل ولكنها تحتاج إلى المزيد من التقييم”.

تغيير مواقف الرجال

لا يحتاج المرء إلى مهارات خاصة لتقديم الرعاية وقد تكون البداية هي جعل الرجال على دراية بموقفهم تجاه النساء. ويقوم الناشط مايكل أوربينا بإدارة مدونة على الانترنت بها “101 طريقة يومية للرجال ليكونوا حلفاء للنساء”، حيث تقدم تلك المدونة نصائح بسيطة مثل: “كن واعياً أين تذهب عيناك عندما تمر بجوارك امرأة – قم بتغيير هذا السلوك، وقم بإزالة صور النساء شبه العاريات من خلفيات هاتفك النقال”.

وقد قامت حملة “دق جرس الباب” في الهند بإشراك ممثلي الأفلام المشهورين لكي يساعدوا في تشجيع الناس على التدخل في حالات العنف الأسري في أحيائهم عن طريق دق جرس الباب فقط.

وفي عام 1989 دخل رجل إلى جامعة البوليتيكنيك في مونتريال وقام بقتل 14 زميلة من زميلاته في الجامعة. وقد أدت المذبحة إلى ظهور حركات عديدة تركز على معالجة السلوك العنيف للرجال ضد النساء مثل حملة الشريط الأبيض (White Ribbon Campaign) التي تم إنشاؤها في عام 1991 وأدت إلى مبادرات في أكثر من 65 دولة.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر البريد الالكتروني، قال تود منيرسون، المدير التنفيذي للحملة أن “العنف مشكلة عالمية وليست ثقافية. فالتغيرات والتحولات الاقتصادية السريعة يمكن أن تؤدي إلى الظروف الصعبة حيث نرى أحياناً أكبر قدر من العنف القائم على النوع الاجتماعي. وقد أشارت دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن امرأة من بين ثلاث نساء على مستوى العالم ستواجه شكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي في حياتها”.

وقالت بانغورا الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة أن “المبادرات المجتمعية هي السبيل لمكافحة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. فتلك المبادرات تقوم بكل شيء بدءاً من تقديم الخدمات الطبية إلى تعليم مهارات كسب الرزق.. وليس المهم فقط أن تحصل المبادرات على المساعدة المالية، ولكن من المهم أيضاً أن تحصل على الدعم القانوني الملائم لضمان مكان آمن يمكن من خلاله إدارة وتوفير الخدمات الحيوية”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث