بخصوص فيروز والشّعب العنيد

بخصوص فيروز والشّعب العنيد
المصدر: عمّان- (خاص) من فوزي باكير

أثارت تصريحات الفنّان اللبناني زياد الرّحباني، حول والدته السيدة فيروز، بأنّها “تحبّ حسن نصر الله كثيرا”، جدلًا واسعًا في الأوساط الاجتماعيّة والفنيّة.

ربّما استغرب بعضهم ردّة الفعل “الشعبيّة” تجاه موقف فيروز من الأمين العام لحزب الله، وهناك استنكار كبير لموقفها هذا، لكن ما الغريب؟ ونحن، غالبًا، نتمنّى ممّن نحبّهم أن يصدر عنهم ما يتّفق معنا دائمًا؟ وإن لم يتّفقوا معنا، فتبدأ حالة الصّدمة والذّهول، وكلام يشبه “هذا آخر ما توقّعناه منك”، “لقد خذلتنا!”.

وتبدأ المعركة، فمن سيدافع عن فيروز، سيُقال إنّه يجعل منها صنمًا.. مهلًا، إذا افترضنا أنّ المُدافع عن موقف فيروز يُصنّمُها، وماذا عن الذي دخل في الصّدمة وراح يستنكر ويُهاجم؟ ألم يكُن هو أيضًا يراها صنمًا، لكنّه لم يعُد يصلح “للعبادة”؟

يقولون: ها قد سقط القناعُ عن وجه فيروز، لحظة، من الذي وضع على وجهها هذا القناع؟ أليسَ هم أنفسهم الذين أسقطوه؟ هم من أرادوه وجهًا لها، هم من شكّلوه وفقًا لأهوائهم، ولأنّهم اكتشفوا أنّ الوجه الحقيقيّ لها لا يمتّ للقناع الذي اختاروه بصلة، اعتبروها خائنة لهم ولما يريدون لها أن تبدو عليه؟

سُئل زياد الرحباني في نفس المقابلة التي صرّح فيها تلك التصريحات عن سياسيّ لبنانيّ يقول: كيف لفيروز أن تحبّ شخصًا يمنع أغنياتها في وسائل إعلام حزبه؟

فأجاب زياد: هذا الحزب له معتقدٌ دينيٌّ يفرض عليه ألّا يبثّ الأغاني، وهي تحترم هذا.

هنا بالضّبط تكمن المسألة، لماذا نريد أن نفصّل فيروز على مقاساتِنا؟ ولستُ أقصد فيروز تحديدًا، لماذا نريد أن نفصّل أي شخص وأيّ فنّان على مقاساتنا، وإن لم يكُن عليها، فنجد أنّ مقاساته ضيّقة كثيرا وليس لنا القدرة على احتمالها.

لماذا لا نحترم ما يعتقد به الفنّان حتّى لو لم نتّفق معه؟ في النّهاية ما يحصل في سوريا هو حربٌ أهليّة، دون أي إنكار لحقّ الشّعب السّوري في اتّخاذ قراراته، لكن الأمر جدليّ كثيرًا، ونحن نعلم أنّ الجهات المتدخّلة في سوريا باتت لا تُحصى ومنقسمة على نفسها وتائهة ومتخبّطة في مواقفها.

تركيّا وإيران وروسيا، وتيّارات إسلاميّة كثيرة تظهر وتختفي وتظهر وتختفي، وتحالفات وانقسامات وأمور شائكة ومعقّدة، فهناك تقارير تقول إنّ إيران مثلا تموّل بعض من يعملون لحساب القاعدة وتدعمهم في أعمالهم التخريبيّة هناك، والقاعدة يفترض أنّها ذات مرجعيّة لا تتوافق مع إيران، وتركيّا مُتّهمة بالأمر نفسه، أيّ تناقضاتٍ هذه؟

وفي عودة للمسألة الفنيّة تحديدًا، ثمّة من يُهاجم زياد الرّحباني الآن من مُنطلقٍ فنيٍّ، ويرى أنّه موسيقيٌّ متواضعٌ وعاديّ ولم يُقدِّم شيئًا، لا أستطيع أن أقول إنّ هذا رأيًا ومن يعتقد به فهو حرّ في رأيه، الأمر ليس بهذه الصّورة، إن رأيتَ أنّه بهذه المواصفات قدِّم لي نقدًا موسيقيًّا علميًّا يتّكئ على معلومات ومفاهيم وبُنى موسيقيّة، أمّا أن تُطلق الأحكام هكذا جُزافًا فقط لأنّ موسيقاه لا تعجبك، فهذا ليس رأيًا، على الأقلّ، من المعروف أنّ زياد يعمل كثيرًا على موسيقا الجاز، بإمكانِك أن تنظر في عمق هذا النّوع من الموسيقا تاريخيًّا وعمليًّا، وتعرف عن نشأته وتطوّره، قبل أن تقول إنّها موسيقا سطحيّة بناءً على ذائقتك التي غالبًا لم تتجاوز بعض المغنين والفنانين الذين تواظب على الاستماع لهم.

وبعضٌ آخر، كان يحبّ أعمال فيروز وابنها الفنيّة، إلى أن عرفوا مواقفهم، راحوا يهاجمون أعمالهم أيضًا، الأعمال هي هي، لم تتغيّر، بالمناسبة، والمواقف كذلك، مواقفهم هي هي، لم تتغيّر، لكنّها طفت الآن على السّطح في ظلّ الظّروف السّياسيّة المُحيطة، لأنّهما لم يجدا في الصّمتِ حلًّا، وعبّروا عن موقفيهما اللذين نختلف معهما كثيرًا، لكن لم تسقط أقنعة أحد، وإن أردنا الحديث عن الأقنعة، من الأفضل أن نتّجه إلى الغزل الإيرانيّ التّركيّ، وننظر فيه جيّدًا.

سأختمُ في جدلٍ حصل مرّةً؛ طرح أحدهم سؤالًا: ماذا لو كان الشّاعر الفلاني حيًّا، ماذا سيكون موقفه ممّا يحصل في سوريا؟

وإذ بمجموعة لا تقلّ عن 10 مثقّفين راحوا يتوقّعون الموقف، وبناءً على توقّعاتهم تشاجروا “إلكترونيًّا”، فمنهم من هاجمه بناءً على توقّعه، ومنهم من امتدحه بناءً على توقّعه أيضًا، وهو راحلٌ ونائمٌ نومته الأبديّة قبل انطلاق الثّورة السّوريّة بثلاث سنوات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث