ساعة لقلبك مع باسم يوسف

واقع الحال يقول أن هناك جهدا مبذولا فى إنتاج وجبة كوميدية دسمة لها تأثيرها الفعال على منتقدي "باسم" قبل محبيه، ولولا تلك الهنات لكان يمكن له أن يتربع برنامجه المثير للجدل على عرش الضحك بجدارة

ساعة لقلبك مع باسم يوسف

بقلم: محمد حبوشة

لاشك أن برنامجه الساخر قد استقطب الملايين من أبناء الشعب المصرى بعزفه الأسبوعى على أوتار حالات التردى فى الأداء من جانب رأس السلطة فى مصر، وعلى الرغم من الدقة الشديدة والمجهود الضخم الذى يبذله فريق الإعداد لبرنامج ” البرنامج” الذى يقدمه الإعلامى باسم يوسف فإنه عمد استخدام العديد من الإيحاءات التى توصف بالإبتذال وخدش الحياء العام، فضلا عن ألفاظ وتعبيرات لم تعد تقبلها الأسرة المصرية التى كانت تعتبر البرنامج متنفسا أسبوعيا يعيد البسمة لتلك الشفاه المكلومة التى أشقاها التعب اليومى جراء التصريحات المحبطة والتحليلات العقيمة، فضلا عن نزق السياسيين وفائض الطاقة الهائلة عند كثير من الزملاء الإعلاميين الذين ينفثون سمومهم فى وجوهنا مستغلين حالة الاستسلام اللذيذ لسحر الشاشة بعد أن أصبحت الفضائيات تلعب دورا مهما فى حياتنا، ونفضت كثير من غبار الوصاية التى كان يفرضها الإعلام الرسمى.كثيرون من محبى باسم يوسف غيرى أصابتهم الصدمة والرعب والخشية من فساد تلك التجربة الكوميدية التليفزيونية الوحيدة حاليا، على أثر الملاحقات القانونية التى استهدف ومازالت صاحب أشهر برنامج فى مصر حاليا،فى وقت كادت هذه التجربة أن ترسخ فى وجدان المصريين الذين هم بالسليقة “ولاد نكتة”، بل أن النكتة تعد من أهم الموروثات لدى الشعب المصرى، والتى يجد فيها فرصة لمعارضة الحكام على مر السنين، خصوصاً أن معظم من تولى حكم مصر عبر التاريخ كان بعيداً عن معاناة الشعب الحقيقية وتفصله بطانة تعزل الشعب عن الحكام. وللحقيقة نقول أن الحلقات الأخيرة جنح فيها “باسم” نحو حافة المبالغة فى استخدام اللفظ والإيحاء الخادش على حساب المضمون الجيد المستمد من قلب الأحداث المأساوية التى يتعرض لها شعب أقام ثورة على الفساد والاستقطاب السياسى الحاد، وهو فى ذلك يقلد نجوم التليفزيون الأمريكى وعلى رأسهم صديقه “جون ستيورت” أحد أبرز مشاهير هذا اللون من البرامج التى تمزج بين السخرية والخروج على المألوف فى إطار كوميدى لا يخلوا من بهارات حارقة. واقع الحال يقول أن هناك جهدا مبذولا فى إنتاج وجبة كوميدية دسمة لها تأثيرها الفعال على منتقدي “باسم” قبل محبيه، ولولا تلك الهنات لكان يمكن له أن يتربع برنامجه المثير للجدل على عرش الضحك بجدارة، وتلك والله مهمة شاقة الآن فى أرض مصر المزروعة بأشواك السياسة القاتلة التى عصفت بحياة الناس الطامحين نحو تحقيق أبسط قواعد الإنسانية فى “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”.ولأن أحلام البسطاء كلها قد تسربت، يبقى من العدل المطلوب الآن أن يحافظ “باسم” على برنامجه بقليل من البهارات حتى يظل الجمهور متعلقا بهذه البوابة المشرعة على صناعة الأمل الأسبوعى، وذلك بالتركيز على المواقف الدراماتيكية فى حياتنا والتى تتسع لها مجلدات من كوميديا الموقفوالتى يعجز عنها الخيال الدرامى والسينمائى، لكن برنامج “البرنامج” يستطيع أن يصوغها فى قالب فلسفى ساخر بما يملك صاحبه من موهبة وقدرات فريق إعداده على صناعة هذا اللون بحرفية ومهنية عالية.فى كتابه الشهير: The Physiology of laughter يقول هربرت سبنسر: “إن الضحك هو مجرد فائض للطاقة الإنسانية وعلى المرء أن يجد له متنفساً ليخرج هذه الطاقة من جسده، والطاقة الفائضة التى يثيرها الإحساس بالسرور والبهجة لابد أن تبحث لها عن منفذ من خلال الظاهرة الصوتية المتعلقة بعملية التنفس والتى نطلق عليها الضحك” ومن أجل ذلك ستجد أن الثقافة الشعبية المصرية مفعمة من الناحية الفكاهية بالمواقف الطريفة بالأقوال والحكم وهى ظواهر صوتية تبدو مؤلمة تارة ومضحكة تارة أخرى، ولعل ذلك يعد السبب الجوهرى فى أن الشعب المصرى هو بالسليقة ابن نكتة ومما لاشك فيه أن باسم يوسف عبر برنامجه البرنامج قد حقق كثيرا مما أشار إليه هربرت سبنسر فى استخراج تلك الطاقة الهائلة من قلب الأزمات الطاحنة فى حياتنا المصرية الحالية، بما يملك من حس كوميدى وقدرة على تبسيط أعقد المواقف فى جملة أو كلمة أو مشهد صغير وهو ما يمكنه بالضرورة من رسم بسمة أمل على وجوه الناس حتى صار الجمهور المصرى على موعد أسبوعى الذى يشبه إلى حد كبير البرنامج الإذاعى الفكاهى “ساعة لقلبك”، والذى يعد من كلاسيكيات القرن الماضى، وكان يقدمه “أبولمعة والخواجة بيجو” ويتناوب على كتابته ظرفاء ذلك الزمان يوسف عوف، أحمد طاهر، أمين الهنيدى، أنور عبدالله، محمد يوسف، عبدالمنعم مدبولى، محمد يوسف وكان على ذات الوتيرة من الاهتمام ونفس الهدف لإسعاد الناس فى أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 م.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث