لبنان… الكوميديا الالهية

لا يمكن لمن يعيش خارج لبنان هذه الايام أن يقدر مدى العبثية التي يمر بها البلد وسكانه والطبقة السياسية فيه.

لبنان… الكوميديا الالهية

بيسان الشيخ

اشتباكات متواصلة في طرابلس، عاصمة الشمال بين حي سني وحي علوي توقع كل يوم مزيداً من القتلى والجرحى ولا يزال الجميع يرفض تسميتها حرباً. الشمال اللبناني معزول عن بقية المناطق ويتعامل المسؤولون معه كمن يبعد عنه كابوساً مزعجاً. فحتى الجيش ينسحب لصالح المقاتلين، يتركهم يمارسون عبثيتهم ثم يقف بينهم كدرع بشري.

أما في صيدا، عاصمة الجنوب فالتوتر الامني والطائفي على أشده وكاد أن ينفجر أخيراً بعد رفض مجموعات سنية بقيادة الشيخ الأسير دفن قتيل سقط في سورية وهو يقاتل الى جانب حزب الله.

هذا ولا تنام القرى الحدودية مع سورية إلا على صوت القذائف والصواريخ التي يتردد صداها من المقلب الآخر في حال لم تسقط على السكان أنفسهم. فيكاد لا يمر يوم إلا وتنقل شاشات التلفزة تقارير وأخبار عن وقوع جرحى وأضرار مادية تعرض لها المواطنون وأملاكهم سواء في البقاع أو عكار، عدا عن موجات هجرة جماعية من بعض القرى المتاخمة مباشرة لسورية.

وإذا التفتنا الى الحدود مع اسرائيل، حيث ترابض قوات اليونيفل لتحمي وقف اطلاق نار هش، طالعتنا أخبار المناورات العسكرية والتدريبات المدنية التي تجريها القوات الاسرائيلية استعداداً لحرب قد لا تتأخر. فالتأهب بلغ درجات قصوى، والتقارير تتحدث عن اجراءات احترازية من حشد للجنود والقوات الخاصة وتعزيز للآليات العسكرية وتدريب المستوطنين على كيفية التعامل مع صفارات الانذار والنزول الى الملاجئ وتخزين المواد الغذائية وغير ذلك مما لا نحسب له حساباً في هذا الجانب من الشريط الشائك.

بعد كل ذلك، تبدو العاصمة بيروت وكأنها تعيش على صفيح أكثر سخونة. فقد جاء خطاب أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله ليشحن الاجواء أكثر سيما وأنه دعا مواطنيه الى تحييد بلدهم وحل نزاعاتهم عبر الاقتتال في سورية!

 كم الاستخفاف بمصير لبنان واللبنانيين عموماً وجمهور الحزب خصوصاً الذي كشفته تلك الدعوة لا يقابله إلا سقوط صاروخين على الضاحية الجنوبية يبدو أن الحزب نفسه مسؤول عنها. وفي وقت لا يزال الجزم بذلك صعب، إلا أن المؤشرات كلها تؤدي الى هذه النتيجة. ذاك أن القرى التي نصبت فيها منصبات الصواريخ وأطلقت منها باتجاه تخوم معقل الحزب, هي نفسها التي انطلقت منها قوافل القمصان السود في 7 أيار 2008 في “غزوة” بيروت كما سميت في ذلك الحين.

وإلى ذلك، يحتضن لبنان برغبة او غير رغبة، نحو مليون ونصف لاجئ سوري يناهزون ثلث عدد سكانه, ما مع يعنيه ذلك من تحول هؤلاء الى قنبلة موقوتة انسانياً وأمنياً واقتصادياً خصوصاً إن وجودهم يضاف الى الانقسامات الداخلية حول الثورة السورية ومشاركة “حزب الله” فيها, علماً أن البلد يعيش من دون حكومة فعلية وفي ظل شغور مناصب قيادية في المؤسسات الأمنية.

لكن, بالتزامن مع كل ما سبق, يحتاج الراغب في تناول عشاء في مطاعم بيروت إلى حجز مسبق لأن الاماكن مزدحمة, كذلك بدأت المنتجعات الصيفية تزدحم بالسابحين, والفنادق لم تخفض أسعارها كما إن الواجهة البحرية للمدينة شهدت الاحد الماضي “ماراثوناً”  نسائياً نجح بكل المقاييس!

إنها ببساطة العبثية المطلقة التي يتأرجح اللبنانيون فيها بين حالة إنكار جماعي, واقرار ضمني بحرب لا يعرفون من أين ستهبط عليهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث