أبو عوّاد يستردّ وجهَه

أبو عوّاد يستردّ وجهَه
المصدر: إرم- (خاص) من فوزي باكير

عمّان- لم يكفّ الشّاعر الأردنيّ علاء أبو عوّاد عن التّشكيك في ملامحه في مجموعته (الأولى) الصّادرة حديثاً عن دار فضاءات للنّشر والتّوزيع؛ “كأنّه وجهي”، والتي افتتحها بإهداءٍ يقول: “إليّ.. حيثُ وجدتُني”.

الشّك في المجموعةِ طاغٍ إلى حدًّ كبير، فهو ليس شكاًّ في الـ”الأنا”، لأنّه يعرفُ نفسَه جيّداً، إذ يقول:

“الواحدُ

من لا يقفُ أمام المرآة لينظرَ صورتهُ

لا صوراً تُظهرها المرآةُ

لوجهِ الواحدْ”.

ويقول أيضاً في قصيدة “وكأنّه وجهي”:

“حين أحدِّقُ في مستنقع ملح

أتذكر وجهاً

في مرآةٍ

لا تبصرهُ

أتذكرُ

وجهي”.

ومنها كذلك:

“كيف لي

أن أدّعي وجهاً

يراهُ العابرونَ

ولا أراهُ

وكيفَ لي

أن أدَّعي

وجهي؟”.

لكنّ الشّك يتجلّى، ومنذ بدايةِ المجموعةِ، في ملامحِ هذه “الأنا”، اسمُ المجموعة إشارة تشكيكيّة واضحة، وكذلك إهداؤها، فهو وجد نفسه، لكنّه لم يستطِع قراءة تلك الملامح الدّاخليّة لنفسِهِ كما يُريد، ويؤكّد أبو عوّاد هذه المعرفة التي يؤرّقها الشّك في قصيدته “لوجهٍ يُرابطُ خلفَ المرايا”، وعنوانها أيضاً يدلُّ على معرفته وتمييزه لهذا الوجه، لكن كونه “يُرابطُ خلف المرايا”، فهذا يدلُّ على ضياعِ الملامحِ وشتاتها، ومنها:

“هو الآن

يرهقه حبسهُ في المرايا

وذات الوجوه التي تلتقيه مراراً

تمرُّ عليه

كأن المدى فارغ

من بقاياهُ

أو من رؤاهُ

وأعرفهُ..”.

ومن تجليّات هذا الشّكّ، قصيدة “على هامشٍ من مرايا الطّريق”، التي يدخل فيها الشّاعرُ بحوارٍ وجوديٍّ مطوّلٍ مع “وجهه”، أو يمكننا القول إنّ “الأنا” تحاورُ “ملامحها”، وتعود فيها إلى البدءِ، طارقةً أسئلةً حول تكوينها الأوّلِ ورحلتها الطّويلة بين المرايا الكثيرة التي أرهقت هذا الوجه/ الملامح، ولم تعكسْ لهُ تفاصيله كما أراد، أو لم تعكسْها بشكلٍ يُعرّيها تماماً، لعلّه يقدر أن يواجهها ويعيد تشكيلها كما يشتهي لها أن تكون:

“- أكان لزاماً علينا التنصلُ من فكرةٍ فرَّ ناظُمها مِنْ لظاها؟؟

* وكانَ لزاماً علينا التمترسُ في فكرةٍ بردُها مِنْ سلامٍ

– أما مِنْ يقينٍ يناهزُ عمرَ الخليقةِ؟

* بل مطلقُ الشكِّ فيما رأينا من الطينِ مِنَّا

وبابٌ تفتَّقَ عَنْ ألفِ بابٍ ..

ووعيٌ

تسامقَ حتى انتهى سدرةَ المنتهى

شهودُ الحقيقة في كل شيءٍ

وحقٌ وحيدٌ إذا ما توارى وراءَ الحجابِ

تبدَّى”.

ولكن حين نُمعنُ في لُغةِ النّصِ وأسئلته، سنجد أنّ الشاعر قد أثقلَه بعض الشّيء بعبءٍ لغويٍّ وفلفسيٍّ قاسيْين قليلاً على الشّعر، فالقصيدة هشَّةٌ، وقد لا تتحمّلُ عبئًا كهذا، رُغم قدرة أبو عوّاد وتمكّنه الواضحين على بناء النّص بناءً لغويّاً متيناً مُتماسكاً وكأنّه نحتٌ مُتقن، لكن قد لا يحتمل الشّعر الكثير من هذه الصّرامة اللغويّة والفلسفيّة، لفرطِ هشاشتِه الضّارية!

وفي عُموم المجموعة، وهي الأولى للشّاعر المولود عام 1985، وعضو رابطة الكتّاب الأردنيين، يُلاحظ فيها النّزعة الصّوفيّة لديه، لغةً ومضموناً أيضاً، وابتعاده عن اللغة اليوميّة الـمعتادة، وهي اللغة التي يرتكز عليها أغلب الشّعر الحديث، فعلاء أبو عوّاد مأخوذ في الموروث القرآنيّ والصوفيّ عموماً، واستطاع أن يُكرِّسَ هذا الموروث في مضمون المجموعة بإتقان، مضمونها الذي يعتمد بشكلٍ أساسيّ كما ذُكر، البحث عن ملامح أناه، وهذا ذكاءٌ يُحسب للشّاعر، في قدرته على التّفريق بين “الأنا” الـمُتحقِّقة والواعية، وبين بحثِها عن ملامحِها التي “أرهقتها المرايا”، ومن قصيدة “إرهاصات بنبوّة متؤخّرة”، نقرأ شيئاً من صوفيّة اللغة والمضمون لديه:

“كمْ قَدْ يطوفُ الشيءُ باللاشيءِ

كي يدري مقامهْ

أو تلتفتْ

عينُ المسافرِ للوراءِ دقيقةً

لتروحَ تبحث

عن أماَمهْ

والحزنُ يظهرُ ضدهُ

ليصيرَ أحلى

ثم يرسخُ في فؤادِ العاشقِ المجنونِ

نقشاً في حَجَرْ”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث