إعلانات التلفزة وتسليع الأنوثة !

إعلانات التلفزة وتسليع الأنوثة !

أبو ظبي ـ (خاص) من إبراهيم حاج عبدي

تحفل الفضائيات العربية بألوان شتى من الإعلان، ويتنوع هذا الإعلان تبعاً للسلعة المعلن عنها او للشريحة المراد التأثير فيها او للقناة التي تبثه. لكن اللافت هو أن المرأة تكاد تشكل القاسم المشترك الوحيد بين هذا السيل الإعلاني الطاغي الذي يخترق هدأة البيوت الآمنة ليجعل من متابعة برامج التلفزيون مغامرة غير مأمونة العواقب ومحفوفة بالأفخاذ والأرداف والبطون والنهود يسيل لها لعاب المتعففين قبل غيرهم.

وإذا كان الإعلان في شكله الصحيح فن له مدارسه وأساليبه، وهو كذلك ضرورة لا بد منها للوسيلة الإعلامية من أجل تغطية جزء من النفقات، ولصاحب السلعة كي ينفق بضاعته، وللمستهلك من أجل إعلامه بالجديد وإغرائه بالشراء، فإن الشكل الذي يظهر فيه الإعلان يتجاوز هذه الضرورة حتى بات الإعلان المادة الأساسية في الفضائيات، إذ يغطي مساحات واسعة من زمن البث، ويقلل من درجة التأثير والتفاعل بين المتلقي والمادة التلفزيونة. كيف للمشاهد، على سبيل المثال، ان ينسجم مع مشهد تراجيدي مؤثر مقحم بإعلان عن معجون اسنان يظهر اسناناً ناصعة، ضاحكة؟

فحولة… وإغراء

ولا تتوانى الإعلانات باستثناء القليل منها، عن إظهار جسد المرأة بكل “تضاريسه” ومنحنياته ودهاليزه، ولا يحلو لمخرجي الإعلانات ولأصحاب السلع إلا تلك المرأة التي تملك “مواصفات قياسية” مثالية: قامات ممشوقة، أرداف مشدودة، بطون ضامرة، نهود بارزة، خصور هيفاء، عيون حوراء… لتغيب السلعة في ثنايا هذا الجمال الباذخ، ولتصبح المرأة هي السلعة الحقيقية، وهي محط الاهتمام!

ويزداد وهج هذا الحضور عبر صوت أنثوي – كي لا نقول شبقي – لا تخفى دلالة نبرته على أحد: صوت رقيق لعوب، مفعم بالغنج والدلال يحاول استمالة المتفرج الذي لا حول له ولا قوة، وهذا الصوت مقرون عادة بابتسامة حيية جذلى، وإيماءة تحمل قدراً كبيراً من الإغراء المواربة تدعو المشاهد إلى شراء السلعة في الوقت نفسه الذي يقوده استنتاجه بصورة عفوية غير واقعية إلى أنه حينما يشتري هذه السلعة فربما امتلك هذه المرأة الجميلة البارعة في فن الإغواء والتي تتقن الحركات المثيرة والمدروسة بعناية من قبل القائمين على الإعلان.

فالقاعدة الأساسية في بنية الإعلان هي مخاطبة الغريزة الجنسية لدى المشاهد – المستهلك وهي قاعدة تشوه صورة المرأة التي تحولت في الإعلان إلى كائن مسبوق بصفات وخاضع لمقاييس وقيم المجتمع الذكوري عبر الخضوع لمزاج الرجل وميوله ورغباته وخياله، والحكمة في ذلك – إذا كان ثمة من حكمة – هي أن الرجل في المجتمعات الشرقية هو المخول غالباً شراء هذه السلعة أو تلك، وبالتالي فهو المعني أساساً بالإعلان لذلك فإن المعلن يطرق باب “الفحولة”، وإلا كيف نفسر ظهور فتاة في إعلان عن إطارات السيارات أو عن زيوت المحركات أو الساعات أو المكيفات أو أي سلعة أخرى لا علاقة لها بالمرأة لا من قريب ولا من بعيد.

وكثيراً ما تفتح هذه الإعلانات الهابطة باب الشهرة أمام الفتيات اللواتي يعملن فيها، إذ ينتقلن إلى العمل في الدراما التلفزيونية او الأفلام السينمائية وكأن ثمن الولوج إلى عالم الفن هو الابتذال والسطحية والتفاهة، ذلك أن هذه المرأة التي ستوصف بـ”الفـنانة الكبيرة” لم تتميز في أي مجال سوى أنها تميزت في “إظهار ما ينبغي إخفاؤه”.

واستطراداً نشير إلى مفارقة فلو أن كاتباً قام بوصف جسد امرأة وأدرج ذلك في سياق رواية أو قصة قصيرة فإنه سيتهم بالإباحية وبالإسراف في وصف مفاتن المرأة، وكذلك الحال بالنسبة إلى المخرج السينمائي، إذ ستتدخل الرقابة لمنع فيلمه على رغم أن هذا التوظيف يأتي، غالباً، ضمن سياق فني مبرر، بينما مخرج الإعلان ينسف ويعري جميع السياقات و”السيقان” من دون أن ينبهه أحد إلى أن الإعلان فن، لا فسحة لتسليع الأنوثة!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث