يهود مصر .. شئون وشجون!

ومازال يراودهم حلم العودة إلى الجذور ليس طمعا فى مال فقدوه بقدر ذلك الحنين الذى يجرفهم نحو وطن يظل يسكنهم رغم سنوات الغربة والتحقق المالى الكبير فى بلاد بعيدة.

يهود مصر .. شئون وشجون!

محمد حبوشة

يأتى الفيلم التسجيلى “عن يهود مصر”، والذى يعد الأول فى تاريخ العرض لهذه النوعية من الأفلام بمثابة حجر ألقاه مؤلفه ومخرجه “أمير رمسيس” فى نهر الحياة المصرية ليحرك المياه الراكدة حول أوضاع اليهود فى مصر مابعد ثورة يوليو 1952م، ويحكى لنا قصصا من ألبوم ذكرياتهم من التعايش إلى الشتات فى سياق فنى لايخلو من عناصر الدراما التى تكشف الغبار عن وطنية العديد من الشخصيات مثل ” شحاته هارون” المحامى الشهير الذى كان يتصدى لقضايا العمال والبسطاء من أبناء مصر فى ذلك  الزمان ، و “يوسف درويش” ذلك المناضل الكبير الذى تحول إلى الإسلام وظل محافظا على مصريته وانحيازه لوطنه رغم ما لقيه من أوجه الاضطهاد حيا وميتا ، و”هنرى كوريل” الذى أسس حركة “حديتو” باعتبارها النواة الأولى للحزب الشيوعى المصرى، وعلى أثره أبعد إلى فرنسا مرغما ، لكنه ظل محافظا على وطنيته حتى أنه أبلغ “عبد النصر” عن طريق “ثروت عكاشة” عن خطة العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م، لكنه لم يلقى بالا لذلك.

كما أن الفيلم لفت النظر إلى هناك شخصيات اقتصادية مهمة مثل ” بنزيون وعدس وريفولى وغيرهم ” ممن لعبوا أدورا رئيسية مع “طلعت حرب” فى تأسيس “بنك مصر”، فضلا عن بناء صروح صناعية للملابس والسلع الغذائية وغيرها، كانت بمثابة أعمدة رئيسية تصب فى عصب الاقتصاد المصرى آنذاك.

كانت تصريحات للدكتور عصام العريان نائب رئيس “حزب الحرية والعدالة” قد سبقت الفيلم بشهور قليلة وفتحت ملف “يهود مصر” من جديد، وفتحت معها عددًا من الملفات والقضايا الشائكة المرتبطة بهذا الملف، وعلى رأسها قضية “التعويضات” عما يُسمى بـ “ممتلكات يهود مصر”، وأيضًا التساؤل حول إن كان خروج اليهود من مصر قد تم بمحض إرادتهم أم إجبارًا، هذا إلى جانب علاقتهم بالحركة الصهيونية، وهو ما أجاب عنه الفيلم مؤكدا ومؤرخا لمصر التي لا يعرفها الكثيرون الآن، وكيف كانت بلدًا يحتضن كل الجميع بغض النظر عن ديانته، وتضمن كذلك تصوير أبرز معالم اليهود في القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن شهادات لبعض أبناء الجالية اليهودية الباقين في مصر حتى الآن فى إطار التأريخ لتلك المرحلة الهامة للبلاد ، كما يرصد أيضا أجزاء من حياة الطائفة اليهودية التي عاشت بمصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى خروجهم الكبير من البلاد بعد العدوان الثلاثي في 1956، وبحسب صناع الفيلم  فإن تلك المشاهد من حياة اليهود فى مصر هى محاولة توثيقية جادة للإجابة عن أسئلة تتعلق بالتغير في الهوية المصرية التي كانت يومًا ما نموذجًا للتسامح وقبول الآخر، وكيف تغيرت تدريجيًا بالخلط بين السياسة وبين الأديان إلى مجتمع يرفض الآخر ويلفظه،؟ حسبما جاء على لسان شهود عيان ومنهم “الدكتور محمد أبو الغار” الذى استعرض كتابه “يهود مصر من الازدهار للشتات” مؤكدا أن فقراء اليهود المصريون هم من ذهبوا إلى إسرائيل ولا يتجاوزون نسبة 7% فقط أما الأغنياء فقد كانوا يرفضون فكرة الصهيونية ولذلك هاجروا إلى أفريقيا وأوروبا وأمريكا لاستمرار بناء صروحهم الاقتصادية ، وكذلك الراحل “أحمد حمروش عضو جماعة الضباط الأحرار، وأيضا الناشطة السياسية “نولة” إبنة المناضل “يوسف درويش” – وهى أم الفنانة “بسمة” -، وهناك أيضا  شهادات متفرقة لآخرين ومنهم الدكتور “رفعت السعيد” رئيس حزب التجمع السابق والذى رافق هنرى كوريل فى حركة ” حديتو”، والذى أكد على وطنية حفنة من اليهود ظلوا – رغم كثير من العنت – فى مصر وأصروا على أن يدفنوا فى ترابها.

والفيلم الذى تبلغ مدته 95 دقيقة فقط قدم للمشاهد المصرى جوانب متعددة من شئون وشجون يهود مصريون عاشوا فى شتى بقاع الأرض، ومازال يراودهم حلم العودة إلى الجذور ليس طمعا فى مال فقدوه بقدر ذلك الحنين الذى يجرفهم نحو وطن يظل يسكنهم رغم سنوات الغربة والتحقق المالى الكبير فى بلاد بعيدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث