شوف العقد..شوف الشراشيب

شوف العقد..شوف الشراشيب

شوف العقد..شوف الشراشيب

بقلم جيهان الغرباوي

من فساتين الغجر وقبعات الهنود الحمر، استوحت كبرى بيوت الأزياء أحدث خطوطها لموضة الشتاء القادم، فامتلأت واجهات العرض الزجاجية في أشهر وأفخم محلات باريس بموديلات ساخنة الألوان منسدلة الكرانيش، الأطراف والأكمام تبدو ممزقة، وطاقية الشعر الصوف يخرج منها الريش!

 

ومثل أي قروي ساذج بهرته أضواء المدينة، كنت أخرج يومياً –  من صباحية ربنا – ألف على هذه المحلات وأتجول بسعادة وانبهار بين الفساتين والإكسسوارات، والجواكت، والبلوفرات..

أتفقدها بعيون مندهشة، وفم واسع الابتسام، ثم أقترب وأضع يدي على أي شيء يعجبني – بغض النظر تماماً عن ثمنه – وأخرجه بالشماعة التي تحمله لأضعه فوقي أمام المرآة، وأنا أقترب وأبتعد وبكل ثقة وثبات أعطي لصورتي في المرآة كتفا يمين، وكتفا شمال، وبعد أن أتأكد أن الموديل “تري جولي” والألوان “تري شيك”، والخامة “تري ديستانجي”، أعيد ما في يدي إلى مكانه بهدوء واستسلام، وأمضي متنهدة، محاولة إقناع نفسي أن “إللي ما يشتري يتفرج”، لكنني أعود ألتفت خلفي وأردد بإعجاب وانسجام: “يا سلااام.. شوف الوبر.. شوف العقد.. شوف  الشراشيب”!!

 

وقبل أن يتطور الموضوع، ويصبح “عقدة نفسية” قلت في عقل بالي، هذه هي زيارتك الأولى لباريس.. ومحتمل برضه تكون الأخيرة “ماحدش عارف”؟

ما تحرميش روحك من حاجة يا جي جي، اشتري وانبسطي و “يا ااااله.. إن شااااالله من حد حوش!”.

وقتها كنت قد أخرجت في يدي، جيب طويل واسع له ذيل ممزق، وشراشيب عشوائية تخرج من كل اتجاه،  خامته “شمواه” ولونه “هافان” ، وشكله أقرب ما يكون لملابس رعاة البقر.

 

تصورت نفسي حين أعود وأرتديه أمام صديقاتي في مصر وتراني “إللي بالي بالك” فتجز على أسنانها وتسألني وهي “مفروسة” وتصطنع الابتسام( منين الجيب الغريب دة؟!)  فأرد عليها بدلع و “تناكة”: آه ه ه .. دي آخر موضة في “باري” .. أصل الموضة السنة دي “العقد”.. والشراشيب ، والألوان هافان.. أوراج.. و أحمر هندي، لون “الفلفل”، و “الشطة”!

وحيث أنني سعدت جدا بهذه الخيالات و “التوقعات المرئية” التي واتتني ساعتها،  وأنا أقيس “جيبتي الباريسية الأنيقة “، حملتها في يدي بكل شجاعة وإقدام، وتقدمت أدفع ثمنها ، بكل جسارة (50 يورو) يورو ينطح يورو، (زي بعضه.. خليها عليا المرة دي).

 

لكن ربك رب قلوب، والظاهر والله أعلم إن ربنا “وقف لي إللي في نيتي”.. فما لبث الرجل أن أخذ مني “الفيزا كارت” وأدخلها الماكينة وأخرج لي الفاتورة لأوقع عليها، حتى اكتشفت أني زي الشاطرة مضيت على فاتورة بـ 150 يويور، الثمن الحقيقي ، الذي لم أقرأ غير نصفه الأول – بدافع أمنيات عقلي الباطن.

 

وقد لاحظ البائع الفرنسي الأشقر، علامات المفاجأة والهلع على وجهي، وأنا اقرأ السعر الحقيقي، في الفاتورة ،  فسألني: “هل في السعر مفاجأة يا مودموازيل؟”

أجبته بهز رأسي..  ففهم أنني على وشك الإغماء من الصدمة، وأسرع يقول: لا عليك (بالفرنساوي طبعاً) ثم سحب الجيب بكل أدب وأعاده مكانه، وفتح درجه ليخرج لي المبلغ المسحوب بالفيزا، ويعطيه لي “كاش” باليورو، وهو يبتسم!

صحيح تسلمت فلوسي، وأنا ممتنة وأتنفس الصعداء، لكن مفاجأة أخرى كبيرة كانت قد أصابتني بالذهول، وعقدت لساني عن الكلام، وهي تلك السهولة والسماحة والليونة واللباقة التي تعامل بها البائع معي.. رغم أن الخطأ خطأي، وهو لا ذنب له إطلاقاً، وليست له أي مسؤولية عن “الحول الإدراكي” الذي أصابني وأنا أقرأ السعر.

 

لكنها قاعدة البيع والشراء في كل مكان في باريس “الزبون دائماً على حق”.

حتى في الشارع ، ما إن يراك أحد تعبر الطريق، حتى يهدئ من سرعة سيارته، ثم يقف وخلفه طابور من السيارات المتراصة في هدوء، دون أي قلق أو انزعاج أو احتجاج، في انتظار “سعادتك” أن تعبر بكل اطمئنان و “على مهلك خااااالص”، و”ربنا يوفقك”.

 

ناس مرتاحة، وأعصابها هادية، و “مستحمية”، و “حاطة كلونيا”.. لا حد دمه محروق، ولا حد واكل فول الصبح.

أكلهم كله مربة وزبدة و “باتي بان”، و “كيرواسون”، و “ساليزون”، و “بون بون”..، وهي أطعمة رائعة، أناشد كل السادة المسؤولين، بتوفيرها وتدعيمها ونشرها بين جميع طبقات الشعب العامل عندنا في مصر. حيث ثبت بالدليل القاطع، مدى عمق تأثيرها على توجيه وضبط السلوك البشري، واستقرار الحالة النفسية وزيادة نسبة الانتباه والتركيز الذهني والعقلي.

 

وبعيداً عن أي مبالغات أو انطباعات شخصية فقد أثبتت الدراسات العلمية فعلا، أن الطالب الفرنسي من أكثر الطلاب في العالم قدرة على التحصيل العلمي والتركيز والتفوق.

والمعروف أن الفرنسيين طلبة علم مجتهدون، عقدتهم الوحيدة: الألمان الذين يعملون مثل المكن، ويتفوقون عليهم بالطاقة والقوة والنظام.

أما الألمان فعقدتهم: الأمريكان، الذين تفوقوا عليهم بالابتكار والتجديد وتنوع وسائل الترفيه.. أما الأمريكان فعقدتهم اليابان التي تنافسهم في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي.. أما نحن فعقدتنا هؤلاء جميعاً!!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث