وديع الصافي.. من وراء الحدود

وديع الصافي.. من وراء الحدود

وديع الصافي.. من وراء الحدود

 

بقلم نظير مجلي

قبل أن نعرف العولمة والتلفاز، وقبل أن ينكسر الحصار الاسرائيلي والعربي علينا، تلقفنا صوت وديع الصافي في الجليل الفلسطيني المجاور للبنان، ورأينا فيه رسالة حب تربطنا بتاريخنا وتراثنا العربي، مثلما ربطتنا من قبله أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ثم فيروز، ومع الفارق، مثلما ربطنا جمال عبد الناصر وأحمد بن بلا.

 

هذه وأسماء كثيرة غيرها التقطنا كلمات أغانيها وأصوات خطاباتها في شوارع الناصرة وحيفا وعكا ويافا، ورددناها في الجامعة العبرية في القدس وأختها في تل أبيب، وساهمت في حفاظنا على عروبتنا وروحنا الوطنية. كنا يومها شتاتا لما تبقى من الشعب الفلسطيني المشرد في النكبة الأولى العام 1948. والحكومة الاسرائيلية لا تكتفي بما لحقنا من انهيارات، ففرضت علينا حكما عسكريا داخل “اسرائيل الديمقراطية” وحاولت إلغاء منهاج الدراسة العربية واستبداله بمنهاج بالعبرية وحاربت مظاهر الكفاح الوطني في صفوفنا. وكان العرب، بمن فيهم الفلسطينيون في الخارج، يجهلون ما جرى لنا وحسب بعضهم أننا أصبحنا “صهاينة” وفهموا صمودنا على أرضنا وتصدينا للترحيل على أنه خيانة.

 

فقط في العام 1967، عندما استمعوا لأشعار توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وأدب إميل حبيبي، بدأوا يتعرفون علينا. وعندها أغرقنا العرب بالحب والحنان، لدرجة أن درويش صاح ذات مرة: “إرحمونا من هذا الحب”.

 

هذا الشتات الفلسطيني في الداخل، نمّى في نفسه آليات تعزيز الانتماء الوطني والتمسك بالتراث القومي وآداب وقواعد اللغة العربية، جنبا إلى جنب مع النضال من أجل الدفاع عن الأرض وتحقيق المساواة والسعي للاعتراف بحقوق شعبنا الفلسطيني في الاستقلال وتحقيق السلام.  

 

من ضمن هذه الأدوات، كانت الموسيقى العربية وأعلامها. وقربنا الجغرافي وتاريخنا المشترك مع سوريا ولبنان في الشمال ومصر في الجنوب، جعلنا في علاقة خاصة مع أولئك الفنانين، ساهمت في بلورة وعينا الوطني وانتمائنا العربي، في المرحلة الأولى ما بعد النكبة. لدرجة أن إذاعة اسرائيل الرسمية باللغة العربية، وعلى عكس الإذاعة باللغة العبرية، التي كانت في ذلك الوقت إذاعة موجهة ولم يكن فيها أي حيز للحرية كما هو حالها اليوم، أخذت تسمعنا هذه الأغاني حتى لا نشنف آذاننا بها من الإذاعات العربية.

 

قد لا يكون المرحوم وديع الصافي، وغيره من المطربين العرب الأصيلين، واعين لهذا الدور في تأثيرهم علينا. ولكنها حقيقة. رددنا أغنية “لوين يا مروان عا مهلك، ع مين تارك أرضك وأهلك”، ونحن نحارب فينا ظواهر الهجرة من الوطن. وغنينا للأرض والشجر والزهر تيمنا بأغانيه الكثيرة، ذات الكلمات البسيطة السهلة ذات المعاني العميقة.

 

تعلمنا من وديع الصافي ترداد الابتهالات الدينية الاسلامية والترانيم المسيحية الكنسية. ومن المواويل الجبلية الصادحة غنينا لأولئك الحبايب خلف الجبال البعيدة. من أغاني أبو الزلف والدلعونة، جددنا تراثنا الفلسطيني ومن مسرحيات الرحابنة ببطولة الصافي وفيروز طرزنا الملابس الفلكلورية الفلسطينية. وراح مطربونا المحليون يغنون لوديع ويتخصص بعضهم فيها، مثل سمير الحافظ وبشارة عواد ومصطفى دحلة وعصام قادري ونبيل عوض وجهاد عيلبوني وخليل أبو نقولا وجميل شوفاني وغيرهم ممن التقوا لاحقا مع الصافي في أوروبا أو الأردن أو مصر، عندما فتحت الطريق باتفاقياتهما مع اسرائيل. وكان يبكي تأثرا كلما سمع صوتا جميلا قويا يقترب من صوته، وأصبح بعض عازفينا يرافقونه في حفلاته هناك.

 

أعذرونا إذن، إذا عشقنا هؤلاء النجوم “حبتين زيادة” أو حزنا على فراقهم “رطلين زيادة”، فقد كسروا الحواجز التي أقيمت بيننا وبين عروبتنا. ونحن نعشق عروبتنا بحلوها ومرها.

 

 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث