أمريكا في أزمتها ورخائها

أمريكا في أزمتها ورخائها

أمريكا في أزمتها ورخائها

عدلي صادق

كأنه قد كُتب على العالم، أن تكون أمريكا سبباً في شقائه، في أوقات رخائهما كما في أوقات أزمتها. هي اليوم، تواجه أزمة ربما تكون أعتى من أزمتها في العام 1929. وعلى هذا الصعيد، ليس أطرف ولا أبلغ، من حديث “ماتثيو باوم” بروفيسور العلاقات الدولية والسياسات العامة في جامعة “هارفارد” عندما  علّق بمختصر مفيد، على تخلف الرئيس أوباما عن حضور قمة “آسيا ـ الباسفيك للتعاون الاقتصادي” التي انعقدت في “بالي” الإندونسية. قال “ماتثيو”: “بدت أمريكا، في هذا الوقت، فاقدة لملكية بيتها، وبمحصلة تداعيات هذا الفقدان؛ أصبحت عديمة القدرة على إدارة مسؤولياتها الضمنية، كزعيمة في هذا العالم”!

 

نجيب رزاق، رئيس الوزراء الماليزي، قال، بدوره، وبلهجة اقرب الى الشماتة: لقد أضاع أوباما فرصة ذهبية، لكي يُظهر زعامة بلاده، على صعيد التطورات الاقتصادية ـ التنموية في آسيا. فغيابه، عن الصورة الجماعية للقادة الذين حضروا، جعل ممثل الولايات المتحدة جون كيري، يقف في طرف الصف الخلفي، ويتبدى مُحبطاً”!

 

وفي الحقيقة، لم تعد الولايات المتحدة، على أرض الواقع، بلد “الأعمال كالمعتاد” Bisiness as Usual. ثم إن تعليق العمل في مؤسسات الحكومة والإدارة الأمريكية؛ أوقع تداعياته على السياسات الخارجية والأمنية، فألغيت أو تأجلت الجولة التالية من المباحثات في إطار اتفاقية TTIP “التجارة الحرة العابرة للأطلسي والشراكة الاستثمارية” كما أُلغيت المناورات العسكرية المقررة مع اليابان. أما بنود نفقات التواجد العسكري في أفغانستان، فقد شُطبت من الموازنة. ويتهكم المعلقون على الإدارة الأمريكية قائلين:”على الرغم من ذلك، فإن أمريكا لا تزال تمضي قُدماً، والدليل على ذلك، أن سفارات الولايات المتحدة وقنصلياتها لم تُغلق، وهي لا زالت على رأس عملها، وإن كان ثمة آثار عملية للإخفاق الاقتصادي على صعيد الواجبات، كالتأخر في إتمام معاملات جوازات السفر إصداراً وتجديداً”. أما بالنسبة للمساعدات التنموية والعسكرية الأمريكية، للدول المتعثرة؛ فقد ظلت تتنفس، حسب تعبير “نيو يورك تايمز” إذ واصلت وكالة التنمية الدولية الأمريكية USAID معظم مشروعاتها، لسبب أن الوكالات المانحة رصدت المخصصات المقررة لبضع سنين. فهي ليست مرتبطة بسنة مالية. غير أن استمرار تعليق العمل في المؤسسات الحكومية، لمدة اطول، من شأنه أن يؤثر بشكل سلبي عميق، على عمليات تمويل برامج مساعدات التنمية في الخارج الأمريكي!

على صعيد المساعدات العسكرية، تحتل إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة قمة الخازوق. فقد خُصصت لها في موازنة العام 2014 مساعدة عسكرية بقيمة 3.1 مليار دولار. أما مصر، فقد خُصص لها في الموازنة نفسها 1.3 مليار. وبسبب الأزمة، جرى الحديث سريعاً عن تخفيض الى الحد الأدنى، للمبلغ المقرر لمصر، لأن الدولة أحبطت مشروع “الإخوان” الذي كان من شأنه، في حال إتمامه، حل العقدة الأصعب من القضية الفلسطينية (وهي اللاجئين، بالتوطين البديل) وبالتالي أن يجعل الولايات المتحدة في ذروة الاطمئنان على إسرائيل، ما يُجيز تخفيض المساعدات العسكرية لها، الى الحد الأدنى. فما حدث، هو أن بادرت واشنطن، قبل وقوع أزمة الموازنة، الى تعليق المساعدات المقررة لمصر، بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي. وقد أصبحت هذه المساعدات في موضع إعادة النظر، على الرغم من تحويل بعضها المحدود، من موازنة العام 2013.

 

وعن الارتدادات الاقتصادية المتوقعة لهذه الأزمة، يجزم البروفيسور الأمريكي النمساوي “هينـز غارتنر” الخبير في “المعهد النمساوي للشؤون الدولية” في فيينا، أن الولايات المتحدة، في حال استمرار إخفاق الكونغرس حتى يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في رفع سقف الدين العام؛ لن تكون الحكومة الأمريكية قادرة على الإقراض الداخلي، وستكون هناك تداعيات على سياساتها الخارجية والأمنية، وستقع عقوبات مالية على واشنطن، وستتأذى الاتفاقيات التجارية بينها وبين شركائها، وستكون العواقب وخيمة ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل على العالم أجمع!

 

وحول أزمة الموازنة الأمريكية برمتها، حذّر البروفيسور “ماتثيو” قائلاً ما معناه، إن المماحكة الحاصلة بين الكونغرس والإدارة، إن ظلت تعطل رفع سقف الدين المتاح؛ فإن هذا سيقود الى كارثة اقتصادية لأمريكا وللعالم. فما يمر به الأمريكيون في هذه اللحظة، لم يحدث من قبل!

 

معلقون آخرون، يحاولون رفع معنويات الإدارة الأمريكية، بإعادة التذكير أن الولايات المتحدة والصين التي هي ورشة التصنيع الكبرى للعالم، هما المحرك الفعلي للاقتصاد الكوني. والدولار ما زال العملة الأهم على الكوكب الأرضي، وأمريكا هي مأوى وملاذ وحاضنة السوق الحرة، غير أن الطبقة السياسية الأمريكية، تقامر، وتضع كل هذه الثوابت أمام أخطار كبرى!

 

الأمريكيون، إذاً، يأخذون العالم من مصيبة الى أخرى، في السياسة والاقتصاد والحروب. ففي منطقنا، إن تتبعنا المؤشرات الفرعية، أنهم هم  الذين يرعون أشد السياسات الإسرائيلية عنصرية وظلامية وإجراماً وعناداً لنواميس الحياة وللإرادة الدولية، ويعلقون استقرار بلدان المنطقة في الهواء أو يضعونه على كف عفريت. وهم الذين استحثوا التطرف وتسببوا في ظهور مثيلات “داعش” والغبراء في كل بلد. وهم الذين كبّروا رأس “الإخوان” في مصر، ولقنوهم مفردات الشرعية الدستورية والديموقراطية وصولاً الى التمكين. وعندما انكشف أمرهم أمام مواطنيهم، تحدثوا عن “انقلاب” لينفلت الإرهابيون على جيش مصر وأبنائها. فإلى مآل يأخذ الأمريكيون المنطقة والعالم في حال استمرت أزمتهم أو في حال انفرجت؟!

adlishaban@hotmail.com  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث