سُرادق العزاء في الحمراء

سُرادق العزاء في الحمراء

سُرادق العزاء في الحمراء

يوسف ضمرة

 

مات جوليانو جيما، وهو بالنسبة لجيلنا ليسا مجرد ممثل بارع في استخدام المسدس” أبو طاحونة ” في أفلام الغرب الأمريكية. هو وآخرون يرتبطون معنا بتاريخ أناس ومدينة غريبة تدعى”الزرقاء” في الأردن. وهو من أكثر الممثلين الذين ظهروا على شاشة”الحمراء” الأكثر شعبية في تلك المدينة.

 

والزرقاء ليست مدينة كالمدن، حيث يجتمع فيها اللصوص والمثقفون والقوادون والأدباء وصانعو الساعات السويسرية والعطور الفرنسية. وبينما تشكل الجريمة فيها نسبة عليا”ربما الأكبر في الأردن” نجد بالتوازي أن عدد المآذن أيضا يفوق مثيلاتها في المدن الأخرى.

 

كان يكفي أن يكون جوليانو جيما بطلا لفيلم من أفلام رعاة البقر، لكي تمر بطابور الواقفين أمام شباك التذاكر في شارع ضيق أمام سينما الحمراء. وكنا دائما في صف جوليانو جيما  لأن أفلامه قدمته بوصفه يجسد الرجل الأبيض الطيب في مواجهة أعدائه الطارئين. ولم نكن عرفنا بعدُ أن جوليانو جيما وما يمثله من بشر هم الطارئون على أرض ليست أرضهم وبلاد ليست بلادهم، وأنهم قتلوا قرابة مائة مليون آدميّ من السكان الأصليين.

 

وللمصادفة فإن جوليانو جيما ليس أمريكيا، وإنما هو ممثل إيطالي. وكانت هذه الكوكبة من النجوم في ذلك الوقت تضم ممثلين من المكسيك وبعض دول أمريكا اللاتينة. بل إن المغني الشهير” الفيس بريسلي ” خاض تجربة التمثيل في أفلام الغرب الأمريكي ولم يحقق نجاحا فعدل عن الاستمرار. وإذا كان جوليانو جيما طارئا على السينما الأمريكية، فإن أغلبية سكان مدينة الزرقاء كانوا طارئين عليها أيضا.

 

بالنسبة لنا نحن”الزرقاويين” يمكننا القول إننا فقدنا رجلا تربطنا به صلة وثيقة. فلم يكن لشارع الحمراء في الزرقاء أن يمر به سوى بعض مبتاعي التبغ بخيوطه المتعددة الألوان والخشونة والرطوبة، وبعض المارين اختصارا للطريق أحيانا. لكن جوليانو جيما وزمرته حوّلوا شارع الحمراء في كثير من أيام السنة، إلى أكثر الشوارع ازدحاما في المدينة. بل إن هناك ممثلا مكسيكيا كان يشبه عامل نظافة في الزرقاء، وصار عامل النظافة هذا لا يفارق شارع الحمراء، بل ويظل قريبا من دار السينما  نفسها، خصوصا حين يكون لشبيهه دور في الفيلم الذي يُعرض.

 

هكذا تختلط الأشياء جراء حادثة ما… السياسة والفن والثقافة والذكريات والتراتبية الاجتماعية وما إلى ذلك. وبغض الطرف عن أصول جوليانو جيما غير الأمريكية، فإنه يمكننا القول للزرقاويين: عظم الله أجركم!  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث