المسيحيون والربيع العربي

المسيحيون والربيع العربي

المسيحيون والربيع العربي

جورج أسحق

 

تاريخيا  وعلى امتداد فترة ما بعد الاستقلال وفى ظل النظم السياسية الشمولية التي سادت دول المنطقة  تحت حجج دعم الاستقلال/التنمية /تحقيق العدالة ضاقت إلى حد كبير مساحة المجال العام للدرجة التي طردت منه جماهير المواطنين ومبادراتهم المستقلة  ومشاركتهم السياسية ، ولم يكن المسيحيون استثناء من ذلك.

 

كانت سيطرة الدولة على المجال العام وغياب الأشكال الحقيقية للمشاركة دافعا لكل المواطنين للبحث عن حيز للمشاركة المجتمعية ، ولم يكن المخرج المتاح على المستوى الاسلامي أو المسيحي إلا المسجد والكنيسة، وهو ما أدى بقوة الدفع الذاتي على امتداد أكثر من 60 عاما لتراجع المسيحيين واحتمائهم خلف جدران الكنيسة والتي بتطور الأوضاع  تجاوزت دورها الروحي إلى اعتبارها التعبير السياسي عن الصوت المسيحي.

 

أيضا مع سيطرة الدولة على المجال العام ولجوء قطاعات واسعة من المصريين المسلمين إلى المسجد (وبحكم أنهم الأغلبية) ساهم هذا في تصاعد ونمو نفوذ قوى الإسلام السياسي ، خاصة بعد أن لجأ النظام السياسي في عهد السادات ، ثم مبارك بإتاحة حيز لهم للممارسة السياسية (تحت غطاء العمل الدعوى  والخيري) إما لمواجهة القوى السياسية المناوئة(اليسار/القوميين) أو لتخفيف حده التوترات الاجتماعية نتيجة اتساع مساحة الفقراء بعد انسحاب الدولة من مجال الخدمات الاجتماعية (التوظيف/الرعاية الاجتماعية/الصحة/التعليم ..الخ) ، وصاحب تنامي قوى تيار الإسلام السياسي بمختلف تنويعاته،تصاعد خطابه المتشدد والاقصائي الموجه للمسيحيين .

 

أدى تصاعد الخطاب الاقصائي الاسلامي والذي وصل لمرحلة استخدام العنف المباشر ضد الرموز الدينية(حرق الكنائس) أو بعض ممارسات التمييز على خلفية الدين (خاصة في مجال العمل) ووصلت إلى العديد من حالات التهجير القسري في بعض المحافظات ،وهي الممارسات التي استمرت وتنامت منذ تسعينيات القرن الماضي وأدت إلى تآكل ثقافة المواطنة والمزيد من الاحتماء بالكنيسة.

 

مع تصاعد العنف والخطاب الاسلامي الاقصائي والمتشدد ضد المسيحيين كان النظام الحاكم  يبرز لهم كجانب ارحم بصفته القوة القادرة على لجم تشدد الإسلاميين ومنعهم من عمليات عنف وتطهير ديني على نطاق مصر كلها  وذلك في مقابل عدم الثورة ضده أو الانخراط في أية أنشطة معارضة بل وتأييد مواقفه السياسية ، هذه المعادلة  هي التي حكمت العلاقة بين النظام الحاكم والمسيحيين من خلال رأس الكنيسة الذي أصبح هو المعادل الموضوعي للتعبير السياسي عن الأقباط.

 

رغم محاولة النظام السياسي الظهور بمظهر حامي الأقباط من عنف الإسلاميين إلا أنه لم يوفر لهم في الحقيقة أية حماية وهو ما دفع قطاعات واسعة من الشباب ومن أبناء الطبقة الوسطى من المسيحيين للتمرد على هذا بل والانضمام لقوى المعارضة ،والدخول أحيانا في صدامات مع الكنيسة ذات(التيار العلماني).

 

كان هذا هو الواقع مع مجيء ثورة 25 يناير والذي كان بداية لتكسير أسوار العزلة الكنسية  والسياسية المفروضة على الأقباط وخروجهم خاصة شباب الطبقة الوسطى المتعلم منهم للمشاركة بشكل متزايد وان كان فرديا ، حتى جاءت أحداث ماسبيرو والتي شكلت انعطافة حقيقية في الموقف السياسي لشباب الأقباط لعل أهم ملامحه التجاوز التام لأية مطالب ذات سمة طائفية /اللجوء إلى الوضع المؤسسي والتنظيمي (نشوء حركات مثل اتحاد شباب ماسبيرو)/الانخراط الواسع في صفوف الحركة الديمقراطية والسياسية.

 

أدى تنامي إحساس قطاعات واسعة من المسيحيين بحقهم في المشاركة وحقوق المواطنة إلى ظهور ردود أفعال عكسية شديدة الرفض لسلوك وخطاب النظام السياسي في ظل حكم الإخوان والذي عاد مرة أخرى للغة التهميش والإقصاء بل والعنف المباشر ، لكن خبرة المشاركة والانخراط في المجال العام خلقت وضعا سمح للمسيحيين بإعلان رفضهم والمشاركة على نطاق واسع وغير مشهود في مصر منذ ثورة 19  وكذلك ثورة 30 يونيو من اجل استعادة  الأمل في حصولهم على حقوق المواطنة الكاملة.

 

يلعب الإعلام دورا خطيرا في إشعال الفتنة الطائفية من خلال  السجال  الديني  على الفضائيات   المسيحية و الإسلامية . والسجال الديني مكانه المعاهد المتخصصة فى الشأن الديني. وهذا المجال يزكي  الفتنة  بين الطرفين المسيحي و الإسلامي.

 

هذا هو الدرس الاساسي من التجربة المصرية، المسيحيون رغم أنهم من نسيج الشعب المصري إلا أن حصولهم على حقوقهم الكاملة كمواطنين وفى مقدمتها حماية هويتهم الدينية وعدم التمييز ضدهم على أساسها هو مربط الفرس في علاقاتهم بأي نظام  يضاف إلى هذا باقي المطالب التي يشتركون فيها مع المصريين “كرامة ..حرية..عدالة اجتماعية” لهذا فالمسيحيون هم جزء من الثورة بل أنهم أحد أهم عوامل قوة زخمها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث