غاندي في ذكراه

غاندي في ذكراه

غاندي في ذكراه

 

عدلي صادق

 

كان يوم  (3/10/2013) يوم عطلة رسمية في سائر أرجاء الهند، لمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين بعد المئة، لميلاد المهاتما غاندي.

 

 وقد صدرت الصحف المتطورة الفاخرة، مزدحمة بإعلانات التبجيل للمهاتما واستذكار مقولاته ومناقبه. ونحن نطالع الطبعات الإنجليزية منها. الطريف واللافت، أن كل قطاع حكومي، يقتبس من فكر غاندي عبارات تتصل باختصاصه، فيبرزها بخطوط كبيرة، مع صورة للرجل، أقرب الى حقل الاختصاص.

 

فوزارة ماء الشرب والصحة العامة تنقل عنه القول إن “الصحة العامة أهم من الاستقلال نفسه” ووزارة شؤون الأقليات، تبرز في الإعلان مقولته:”إن أية حضارة، يمكن اختبارها على قاعدة الطريقة التي يعامل بها أهل هذه الحضارة الأقليات في بلادهم”.

 

أما وزارة شؤون المستهلك والغذاء والتوزيع العام، فتنقل عنه القول “إن هناك، في العالم، جائعون كُثر، وهؤلاء لا يتبدى إله الرحمة بالنسبة لهم، إلا عبر رغيف الخبز”.

 

واختار عدد من وزارات الخدمات، عبارة تقول بلسان غاندي: “يتوجب عليك أن تتقمص روح التغيير الذي تتمنى أن تراه في العالم”. ولوزارة شؤون المرأة وتنمية الطفل، خيارها من المقولات في إعلانها: “لا شيء يمكن أن يخيفك، حين ترفض أن تكون خوّافاً وخائفاً”.

 

وزادت المفوضية الوطنية للمرأة باقتباس آخر:”إجعلن هدفكن دائماً، استكمال متطلبات التناغم في الفكر والكلمة والصنيع الحسن، واجعلن هدفكن أيضاً، تنقية أفكاركن ونفوسكن من الضغينة، لكي يصبح كل شيء في عيونكن على ما يرام”.

 

وكان لوزارة التعدين والفولاذ اقتباسها: “لا تتأتى القوة من المقدرة الفيزيائية، وإنما تتأتى من خلال الإرادة التي لا تلين”. وفي هذا الاقتباس الأخير، يتعمد غاندي اختيار الصفة التي تعبر عن الإرادة التي لا تُقهر ولا تلين، بلفظ دال على هذا المعنى، لكنه ممتزج باسم الهند نفسها Indo mitable . وحرصت وزارة الثقافة على أن يكون الاقتباس في إعلانها حاضّاً على الإخاء في الوطن: “إن المنازعات المناطقية والفكرية واللغوية والاجتماعية، من شأنها إضعاف وحدة البلاد، ويتعيّن على الوطنيين أن يذودوا عن هذه الوحدة بالتسامي على الغرائز والنزاعات الداخلية”!

 

الرجل الرمز، الذي يعتبرونه أباً للأمة الهندية، لم يكن نابغة وهو في سن مبكرة. تقارير مدرسته في ولاية “غوجارات” تقول إنه كان متوسط المستوى، وضعيف في الجغرافيا التي شاع اسمه على اتساعها فيما بعد. وقعت على رأسه ممارسة تقليدية هندوسية قديمه، فجعلوه يتزوج وهو فتى صغيراً، في سن الرابعة عشر، ليفقد سنة دراسية وهو يتأمل الأنثى. روى الواقعة في مذكراته، فقال “كانت معرفتي في هذا الأمر طفيفة، والأهم عندي آنذاك، كان  أنني أرتدي ملابس جديدة والتهم الحلوى وألعب مع الأقارب. فقد كانت القرينة أغلب الوقت عند أهلها وأنا عند أهلي”!

 

مرت السنوات، ونضج الرجل، حتى عاد الى بلاده، بعد التأهل في القانون في لندن، وتدرب هناك، على قضايا محاكم النقض والعليا. أدرك بسليقته وبمواهبه كقائد، أن العمل الوطني يتطلب الاستناد الى قاعدة اجتماعية واسعة، لا تفرق بين الديانات والثقافات والمناطق.

 

كان ذلك يقتضي التقاط حيرة المسلمين من انهيار الخلافة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى (والهنود المسلمون كانوا شديدي التأثر بذلك الحدث متفجعين له، وانقسموا في خياراتهم حول البدائل الهاشمية والسعودية والمصرية).

 

 اقترب من جماعة “الخلافة الإسلامية” في الهند، وناصر قضايا تحرر المسلمين في بلادهم، لا سيما وأن البريطانيين أعداؤه. وسرعان ما أصبح الخطيب الأبرز للمؤتمر الإسلامي الهندي، وضيفاً مرموقاً على مراكز المسلمين في البلاد، ومحارباً صلباً ضد التطرف الهندوسي، وهذا ما جعل الحركة الوطنية الهندية ذات شمول اجتماعي واسع، ويشتد عودها، ويشارك المسلمون في وفودها بنسبة تتناسب مع عددهم.

 

وكلما كانت الاضطرابات أقوى من جهود غاندي، كانت نسبة تمثيل المسملين تنخفض، وعندما يتعزز موقفه، تعلو. قتله متطرف هندوسي بثلاث رصاصات في الصدر من مسدسه، في الموضع الذي أصبح متحف “ذكرى غاندي” أو “غاندي سميرتي”. وفي كل سنة، في يوم ميلاده، تُستعاد أقواله ومناقبه وذكراه، وهذا ما كان أمس!

adlishaban@hotmail.com         

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث