صناعة الدكتاتور.. صناعة الإله

صناعة الدكتاتور.. صناعة الإله

صناعة الدكتاتور.. صناعة الإله

حسام عبد القادر

لقد اعتدنا أن نؤله حكامنا، وأن ننافقهم وأن نعطيهم أكثر مما يستحقون، وأن نظل نردد على مسامعهم كلمات الشكر والثناء على كل حركة يؤدونها وكل عمل يقدمونه والذي هو من صميم وظيفتهم، فالرئيس في مصر بمجرد أن يجلس على الكرسى يجد الجميع فى حالة سجود تام له، وأن أحلامه أوامر، وممنوع تماما الاعتراض على رأيه، لأنه خبير فى كل الأمور، فهو الإله وهم العبيد، وإذا كان هذا الرئيس بشر وليس إله، فمن حقه أن يغتر، وإن كان متواضعا فبعد فترة سيصبح متكبرا وهو يرى كم النفاق الذى يبذله كل من حوله فيصدق أنه منزل من السماء وأنه جاء لنجدة هؤلاء القوم.

 

إن هذه العادة الأصيلة مع كل رئيس وليس فقط رئيس الجمهورية، فكل رئيس -حسب موقعه- يقوم من حوله بنفس الأسلوب: نفاق، رياء، عدم الاعتراض على أى قرار له، وهكذا.. حتى يصبح ديكتاتورا.. وبالتالى أصبح لدينا خبرة وقدرة هائلة على صنع الديكتاتور، ونحن نخلق الديكتاتور ثم نرجع ونبكى ونشكو من ظلم الرئيس أو الحاكم.

 

وفى حوار للرئيس المؤقت عدلى منصور مع التلفزيون المصرى قال أنه جاء الأوان لإنهاء أسطورة الحاكم الإله عند الشعب المصرى، كانت هذه الكلمات أهم ما قاله عدلى منصور حتى الآن فى وجهة نظرى، رغم عدم التركيز عليها فى وسائل الإعلام.

 

إن المصريين دائما يبحثون عن البطل الأسطورى صاحب الكاريزما، الذى لا يقهر، الذى يستطيع أن يتحدى العالم، وهى نماذج موجودة دائما فى الحكايات والأساطير، وإن لم نجد فنقوم نحن بصنع هذا البطل حتى لو فى مخيلتنا، وقد حاولنا أن نفعل ذلك مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبعد نصر أكتوبر تم تصوير الرئيس السادات بنفس الطريقة، وبذلت محاولات لجعل مبارك هذا البطل لولا أنه ظل فترة أطول من اللازم وقامت ضده ثورة 25 يناير.

 

أما محمد مرسى فقد صورته لنا جماعته منذ البداية أنه الملهم وأنه جاء ليخلص مصر من كل الأشرار، بينما كان لا يمكنه تكملة خطاب واحد بدون أخطاء، ولم يكن لديه الكاريزما التى كانت موجودة لسابقيه باستثناء مبارك.

 

ومن الطرائف أنه بعد تولى الدكتور محمد مرسى الحكم بأسابيع قليلة رأيت لافتة فى عرض أحد الطرق الرئيسية بالإسكندرية تؤيد الرئيس مرسى زعيم الأمة العربية، فتعجبت، وتساءلت كيف أصبح الرئيس مرسى فى أسابيع قليلة زعيما للأمة العربية، وهو لم يتمكن من أن يصبح زعيما للمصريين.

 

والآن جاء الدور على الفريق عبد الفتاح السيسى، الذى استطاع أن يقوم بدور البطولة فى ثورة 30 يونيه وأن يقف بجوار الشعب ومطالبه، ليرجع إلى الأذهان صورة البطل المغوار الذى استطاع قهر “الأعداء”، وأصبح السيسى فى وقت قليل جدا حديث كل بيت مصرى، وبطلا للأغانى ولقصائد الشعراء.

 

والآن يطالبه المصريون بالترشح للرئاسة، رغم أنه أعلن عن عدم نيته لذلك، ولكن هناك محاولات شتى لثنيه عن قراره وجعل ترشحه مطلب شعبى، ولو ترشح سيفوز بأغلبية وهو ما أخشاه، أن نعيد تكرار تجربة جمال عبد الناصر الذى يتم المقارنة بينه وبين السيسى بالفعل، رغم اختلاف الزمان والمكان والظروف.

 

أنا لست ضد الفريق السيسى بل أرى فيه قائدا رائعا للجيش المصرى، ولكنى أخشى من صنع إله جديد يعبده المصريون.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث