الأقصى وعبوة بشرية

الأقصى وعبوة بشرية

الأقصى وعبوة بشرية

عدلي صادق

لعل الدفع المتعمّد، بعُتاة المتطرفين اليهود، الى باحات الأقصى، هو الترياق الصهيوني لاثنتين من الحقائق التي تراهما حكومة تل أبيب عِلتيْن في بطنها: أن شرقيْ القدس العربية، ما تزال تحمل صفة المدينة المحتلة، بالتعريف القانوني المهمل في أدراج الأمم المتحدة، وبالوقائع الماثلة على الأرض.

 

وأن التاريخ كان وما زال وسيبقى ضاغطاً على الجغرافيا، ومتسبباً في عُصاب لا مثيل له للعنصريين  المهووسين بالأسطورة.

 

وهؤلاء يعلمون، من خلال أسطورتهم نفسها، أن الملك داود، جاء الى فراغ يهودي مقابل امتلاء كنعاني جاوز عمره الألف سنة. من هنا بدأ العُصاب ونشأت ظاهرة الجنون!

 

فقد كتب المؤرخ اليهودي “ميرون بنفنستي” الذي يعد نفسه ليبرالياً، تلخيصاً للمعادلة: “إنها مدينة لا ينقلب حجرٌ فيها، دون أن يكشف عن معضلة تاريخية”.

 

 ولم يجرؤ على القول إن المعضلة تنشأ حصراً وتحديداً، بسبب هؤلاء الذين يسعون الى محو هويتة المدينة وتكريس استلابها.

 

 اليوم، لسنا بصدد انقلاب حجر، وإنما حيال هجمات معتوهين، يدفع بهم الحاكمون بمساندة قواتهم المدججة بالسلاح، الى باحات الأقصى كله، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

 

ويأتي تدبير محاولات الاجتياح، الى تجاوز التعريف القانوني للمدينة، كمحتلة، بمحاولة خلق واقع الاجتياح اليومي أو التهديد به، لكي تصبح تسوية الاضطراب، على قاعدة وقف الهجمات وحسب.

 

الكاتب “بنفنستي” نفسه، أقر باستحالة التسليم الفلسطيني والعربي والإسلامي، باستحواذ الصهيونية على زهرة المدائن، وقدم صياغة عجيبة لحال التقابل بين حضارة راسخة وشراذم حضارات، وبين تاريخ مكتمل النصاب ونتف أقاصيص ملمومة من تواريخ الأمم، وبين القدس، كجزء من جغرافيا وطن الفلسطينيين، وموطيء قدم فيها، محدود للغاية بمعايير المساحة، لواحدة من موجات الهجرة العابرة.

 

 يقول في كتابه “مدينة الحجر.. تاريخ القدس الخفي”: إن صهيونية الفلسطينيين، شبيهة بصهيونية الإسرائيليين، من حيث الإصرار على ذاكرة القدس بوصفها مدينة الفردوس المفقود. كلا الصهيونيتين تتصارعان من أجل الهوية، وتقيمان الحداد على الكارثة الفاجعة، ولا تمييز عندهما بين الديني والسياسي، وبين السلام وسلام القدس. والنتيجة؟ يُجيب بنفنستي: إما أن يكون السلام، وإما أن تكون القدس. ولكن لا مجال للحصول على الإثنين معاً!

*   *   *

لكن المتطرفين الحاكمين في إسرائيل، فيما هم يسعون الى إدامة الهيمنة على المدينة المحتلة، ويدفعون بعتاة العنصريين المهووسين الى باحات الأقصى؛ أخذوا بنصيحة تدعو الى استعاره الشعار الأوليمبي: “أعلى، أسرع، أقوى” واتخاذه وسيلة لفهم تاريخ البناء في المدينة التي قيل إن أتباع الديانات، تباروا على أرضها في إعلاء صروح المعابد والعمائر. وفي الواقع، كان فيها لليهود صروح في المخيلة وفي النصوص ـ لا على الأرض ـ وعليه سابق المحتلون الزمن، لكي يُنشئوا العمائر الكثيرة لهم، في المدينة وحولها، وهدموا أو منعوا بناء تلك التي لسكانها الفلسطينيين. وعلى الرغم من ذلك كله، لم تفارق المدينة روحها وخصوصيتها، ليعترف المتأملون من بين مجتمع المحتلين، أن قوميتين راسختين ما زالتا تريان في القدس البقرة المقدسة، وأن محاولات تهويدها تصطدم بـ “عبوة بشرية أكثر التهاباً” مثلما كتب “عاموس عيلون”. فلا يستوي مسار التاريخ مع التدليس، ولن تحسم الأمر، مليارات الدولارات التي يقذف بها ملياردير صهيوني مثل “موسكوفيتش” صاحب نوادي القمار، الى قلب المدينة ككفارة تورايتة عن ماله الحرام!

 

جزء من عبوة الفلسطينيين البشرية الملتهبة، يتلظى الآن. المقدسيات الفلسطينيات لم يخلفن ميعاداً، فقد اعتكفن الى جانب المقدسيين ومع من تسنى لهم الوصول الى الحرم القدسي. فالآخرون، من الأبعيدين والأقربين، لا يوفون إن وعدوا، أما المقدسيات، فلا يخلفن ميعادا!

adlishaban@hotmail.com  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث