نحن .. وثورة فرنسيس في الفاتيكان!

نحن .. وثورة فرنسيس في الفاتيكان!

نحن .. وثورة فرنسيس في الفاتيكان!

نظير مجلي

 

في الفاتيكان، أكبر مؤسسة دينية في العالم، تهب رياح تغيير ملفتة للنظر وتستدعي البحث والتمحيص. فبعد ستة شهور فقط من تولي البطريرك الكاثوليكي حرحا ماريو برجوليو كرسي الحبر الأعظم في روما، واصبح يعرف باسمه الباباوي، فرنسيس، وهو لا يكف عن مفاجأة رفاقه في قيادة الكنيسة بتصريحات مثيرة تنم عن توجه لتغيير مفاهيم دينية ودنيوية جمة.

استهلها بدعوة الرهبان بكل درجاتهم إلى وضع  حد للاغتراب عن الرعية والإصغاء للناس والاقتراب منهم. وأتبعها بتصرفات متواضعة أحرجت كل قادة الكنيسة المرفهين، عندما اختار عيشا متواضعا، فرفض السكنى بقصر كسابقيه وأصر على السكن في بيت متواضع ووبخ الكرادلة الذين يعيشون حياة ترف ويقودون سيارات فخمة وراح يغسل ويقبل أقدام فتية قاصرين ممن تدهوروا  إلى الاجرام وزارهم في زنازينهم.

 

ثم أطلق تصريحا صادِمًا بتسامحه مع المثليين، إذ قال: “ومن أنا حتى أحكم على مثليّ أو مثليّة اختارا عبادة الله؟”. وأتبعه بتصريحات تحريض للعاطلين عن العمل ضد النظام الاقتصادي الرأسمالي. ثم جاءت تصريحاته المثيرة جدا في تسامحها مع الملحدين، إذ قال إن الله سبحانه وتعالى يتسم بما يكفي من الرحمة حتى يعفو عن غير المؤمنين، إذا طاعوا ضمائرهم.

بالمناسبة، هذا التصريح الأخير ليس جديدا جدا، فقد كان البابا فرنسيس قد أطلقه في إحدى عظاته في نهاية شهر أيار الماضي. وقد أثار جدلا واسعا في حينه، داخل الفاتيكان، لكنه لم ينتشر بالشكل الذي يستحقه. فهو ينطوي على ثورة في المفاهيم الدينية. وحرص من حرص على إبقائه متواضعا، فما كان من البابا إلا أن يتعمدد ابرازه بطريقة صارخة. فقد أرسله مكتوبا بخط يده إلى مراسل صحيفة ” La Repubblica” الإيطالية، إيجينو سكالفارى، خلال مقابلة رد فيها خطيا على أسئلته. فكتب يقول : “لقد سألتنى إذا كان رب المسيحيين يعفو عن هؤلاء الذين لم يؤمنوا، والذين لا يسعون للإيمان، وأبدأ بالقول وهذا هو الشىء الأساسى، إن رحمة الرب لا حدود لها لو لجأت إليه بقلب صادق وتائب، والقضية بالنسبة لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالله هو طاعة ضمائرهم”. وأضاف قائلا إن الخطيئة بالنسبة لهؤلاء الذين لا يؤمنون، تتواجد عندما يخالفون ضمائرهم. فإن طاعوا ضمائرهم، يكون لهم مكان في الجنة.

ما يهمنا في هذه التصريحات ليس ما يحيط بها من نقاش وخلاف داخل الكنيسة، فهذا شأن أخوتنا المسيحيين وآبائهم الروحيين. ولكن جوهر هذه التصريحات يهمنا جدا كبشر، بغض النظر عن الانتماء الديني. فهي تمثل فلسفة دينية جديدة بكل المقاييس. ومما لا شك فيه أنها تخدم صاحبها. تخدم البابا والكنيسة والمسيحية، لأنها تدل على ثقة عالية في النفس وانفتاح حضاري راق وحكمة بليغة وتسامح يليق بالدين وبعلماء الدين وبرجال الدين “البالغين”.

 

ونقول رجال الدين البالغين، باعتبار أن هناك رجال دين مراهقين فكريا يتبوءون منابر إفتاء ويتصرفون بانغلاق يقيم اسوارا وبوابات مجنزرة بينهم وبين الناس أولا، وبين الدين وبين العصر ثانيا. وهؤلاء يمسون بالدين وبالقيم الأساسية فيه.

لقد تواضع الاعلام العربي في تناول ثورة البابا فرنسيس، إما جهلا في جوهرها وإما هروبا من تحدياتها، وفيها تحديات كبيرة. فنحن، العرب عموما والمسلمين خصوصا، ما زلنا نروع الخوض في نقاش مع رجال الدين وعلمائه. وحتى الذين يقارعون الشيخ القرضاوي مثلا ويرفضون فتاواه، اليوم، لم يفعلوا ذلك بغالبيتهم قبل أن يهاجمه النظام المصري الجديد وأنصاره في الأزهر الشريف. والقيمون على الفقه الاسلامي في عصرنا وعدة عصور قبلنا لم يجرؤوا على الاجتهاد والاستحداث كما يليق بديننا العريق. يتمسك وفرة منهم بالأمور الشكلية في الدين. ويمتنعون عن خوض قضايا العصر وتطوراته.

فيا ليت البابا فرنسيس يحفزهم على شيء من الاجتهاد الحقيقي؟! 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث