10 سنوات على الرحيل: إدوارد سعيد والمنفى

10 سنوات على الرحيل: إدوارد سعيد والمنفى

10 سنوات على الرحيل: إدوارد سعيد والمنفى

 

أبو ظبي ـ (خاص) من إبراهيم حاج عبدي

لا يكاد يجمع بين مواضيع كتاب “تأملات حول المنفى” للناقد الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، الصادر، بترجمة ثائر ديب، عن دار الآداب البيروتية سوى ذلك التحليل النقدي الرصين لكاتبه الذي يقدم في هذا الكتاب بعضاً من الثمار الفكرية التي نجمت عن تدريسه ودراسته في جامعة كولومبيا في نيويورك.

 

هذه الجامعة التي وصلها الكاتب في خريف عام 1963 خريجاً جامعياً طري العود وظل فيها أستاذاً لمادة الأدب الإنكليزي والأدب المقارن حتى رحيله في 25 أيلول/ سبتمبر 2003 ، فالمقالات، المكتوبة في فترات زمنية مختلفة، والمدرجة في هذا الكتاب هي حصيلة مختصرة ومتنوعة لهذه السنوات، إذ تتباين المسائل والقضايا من الأدب والنقد الأدبي إلى المجادلة في مفاهيم ملتبسة كالهوية والمنفى والحرية الأكاديمية والاستشراق والقومية وحقوق الإنسان يفلسفها حيناً ويقدمها بصورة مبسطة أحياناً كما يتحدث عن بعض رموز الفن والموسيقى وربما كانت التيمة المشتركة بين هذه التنويعات هي القضية الفلسطينية التي غالباً ما تظهر كقاسم مشترك بين معظم المقالات “فالوقوف إلى جانب الحقوق الفلسطينية هو وقوف ضد التمييز ومع العدالة والمساواة” كما يرى الكاتب، الذي يتوسل في بعض الأحيان، خصوصاً لدى الحديث عن الأمكنة وذكريات الزمن البعيد، لغة أدبية تقترب من السرد الروائي.

سلطة المعرفة

لم يخضع إدوارد سعيد لأي سلطة سوى سلطة المعرفة الأمر الذي أوجد من حوله الكثير من النقاد القساة الذين لم يستوعبوا أفكاره المتحررة من كل قيد فقد وصفه البعض بـ “بروفيسور الإرهاب” على خلفية مواقفه من القضايا العادلة ولا سيما الفلسطينية.

 

وهو بهذا حقق لنفسه شرطاً قلما يحققه الباحث، ولعل هذه الرؤية الواسعة المنفتحة على الثقافات والهويات وقضايا الشعوب نبعت أساساً من هويته الملتبسة فقد ولد في القدس عام 1935 وعاش فيها طفولته ثم انتقل إلى القاهرة ليتعلم في مدارسها الكولونيالية آخر الأربعينات وأوائل الخمسينات والتي شكلت له مفارقة ساخرة “فالقناصل الكولونياليين السابقين مثل كرومر وكتشنر كانوا اكثر ألفة لدي من هارون الرشيد أو خالد بن الوليد”.

 

وفي أيلول سبتمبر 1951 أرسله والده الذي كان يحمل الجنسية الأمريكية إلى الولايات المتحدة وبقي هناك حتى رحيله. لكنه كان يقوم بزيارات بين الحين والآخر إلى مصر ولبنان ومن هنا وجد في نفسه هويات متصارعة طمست الهوية الواحدة، وبقدر اطلاعه على مختلف الأيديولوجيات فانه لم يخضع لسطوة أي منها بل كان مفكراً عصامياً متفرداً قدم آراء لا يمكن تجاهلها حيال مختلف القضايا سواء في هذا الكتاب او غيره، فكان مثالاً للناقد والمفكر المعتدل والرصين.

 

الحقيقة لا تُحتكر

وعلى رغم معالجته الموضوعية والدقيقة للقضايا التي يتصدى لها غير انه ينأى بنفسه عن صيغة الجزم إذ غالباً ما يقول وجهة نظره مسبوقة بعبارات من قبيل: “في اعتقادي” أو “كما أرى” أو “كما أفهم” أو “من الممكن القول” التي تعطي انطباعاً بان الباحث بعيد من الادعاء في كونه يحتكر الحقيقة ولطالما أبدى إعجابه بما جاء في قصيدة لسيزار: “ليس لعرق أن يحتكر الجمال او الذكاء او القوة، وثمة متسع للجميع في موعد الفتح”.

 

وإذا كانت هذه هي السمة الغالبة على كتاباته إلا انه لا يهادن في المسلمات والحقائق إذ لا يتوانى عن إطلاق النعوت اللاذعة لا سيما إذا كان الأمر متعلقاً بكاتب سخر قلمه لخدمة منظومة فكرية “متعالية” قادته إلى حجب الحقائق عمداً كما هي الحال مع نايبول مثلاً.

 

فعلى رغم اعترافه بموهبة نايبول “أنا اكتب عنه بألم وإعجاب” كما يقول سعيد مضيفاً بأنه أبرز من أن يغفل وأشد موهبة، لكنه يستغرب اختزال نايبول وتصويره الجارح لمعاناة أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية “زاعماً أن الماضي الوحيد المهم لها هو ماض أوروبي أساساً وان كل محاولة لمعالجة الماضي بطبقاته المتعددة فضلاً عن الحاضر محكوم عليها بأن تفضي إلى محاكاة سخيفة او طغيان او مزيج من الاثنين، وما هو غير أوروبي – بحسب زعم الفائز بنوبل الآداب – لا يمكن إلا أن يكون مستعاراً من أوروبا.

 

نايبول وكونراد

وهكذا – يستنتج سعيد – بأن ضغط الأفكار الأوروبية يمحو أية مشاعر متعاطفة يمكن أن يكنها نايبول حيال الأشياء التي يراها. فما من حياة في ما يكتب عنه، بل جنون ويأس وأسف ساخر من دون تحليل او تفسير فهو يتكل على “تقليد أوروبي كثيراً ما كان يسارع على نحو خطر إلى رفع انطباعات خائبة إلى مصاف التعميم الكاسح “وهو تقليد سار عليه الكثير من المفكرين والكتاب الغربيين، ولكن الكاتب الذي يختاره سعيد بموازاة نايبول كنقيض له هو جوزيف كونراد الذي عاش تجربة مماثلة لكنه لم يتخل عن وظيفته التفسيرية، فما لا يراه نايبول هو أن سلفه العظيم لم يستثن نفسه ولا أوروبا من مفارقات التاريخ الساخرة التي يمكن رؤيتها بسهولة في العالم غير الأوروبي، فلندن – كما يقول كونراد في روايته “قلب الظلام” – هي مكان مظلم أيضـاً بقـدر الكونغـو.

 

ونايبول في كتابه “بين المسلمين: رحلة إسلامية” يظهر الاشمئزاز من العالم ما بعد الكولونيالي بسبب أكاذيبه وقسوته وعنفه وسعيه البائس وراء أهوائه وشهواته، فالكتاب الذي يسرد فيه نايبول تفاصيل زيارة قام بها إلى إيران وباكستان وماليزيا وإندونيسيا هو – وبعد تحليل عميق من قبل صاحب “الاستشراق” – عبارة عن “مجموعة من المعلومات الخاطئة السخيفة والتاريخ المطبوخ الذي يقحم هنا وهناك، فالشخصيات لا تكاد أن تكون حية والتوصيفات واهنة والمشاهد فاترة، فكيف يمكن للمرء أن يتعرف على الإسلام من خلاله؟ فما يراه نايبول يراه لأنه يحصل أمامه ولأنه يثبت ما يعرفه من قبل، فهو يتحدث إلى الشخصيات التي يقع عليها مصادفة ويجعلها مباشرة ممثلة للإسلام من دون أن يغطي جهله بأي احترام ملحوظ للتاريخ.

 

ما بعد الكولونيالية

لقد أضفت الأجواء المعقدة والضاغطة التي شهدها النصف الثاني من القرن المنصرم في الغرب ومعضلات العالم ما بعد الكولونيالي، مزيداً من القلق على حياة رجل عانى كثيراً من التناقضات الذاتية التي انعكست على نتاجه الفكري والنقدي في مدينة مضطربة، متنوعة بغير انقطاع، متقلبة، قادرة على الاستغراق والامتصاص كنيويورك “فقد وجدت أن الصعوبة الكأداء التي ينبغي التغلب عليها هي إغراء التحول المعاكس، الرغبة في إيجاد منظومة جديدة او منطقة جديدة او ولاء جديد يحل محل الولاء الضائع، والتفكير بأدوية تصلح لجميع العلل ورؤى جديدة اكمل تذهب بالتعقيد والاختلاف والتناقض”. ومن هنا ربما وجد نفسه منجذباً إلى الموسيقى التي وجد فيها تناغماً وانسجاماً الهارموني يفتقدهما العالم الواقعي الذي يعيش فيه.

 

ملامح ومحطات

كان إدوارد سعيد من الشخصيات المؤثرة في النقد الحضاري والأدب، وقد نال شهرة واسعة خصوصاً في كتابه “الاستشراق” المنشور سنة 1978. ربط إدوارد سعيد دراسات الاستشراق بالمجتمعات الإمبريالية واعتبرها منتجاً لتلك المجتمعات، مما جعل من أعمال الاستشراق أعمال سياسية في لبها وخاضعة للسلطة لذلك شكك فيها. وقد أسس أطروحته من خلال معرفته الوثيقة بالأدب الاستعماري مثل روايات جوزيف كونراد، ومن خلال نظريات ما بعد البنيوية مثل أعمال ميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهم.

 

وعرف إدوارد سعيد كمفكر عام، فكان يناقش أمورا ثقافية وسياسية وفنية وأدبية بشكل دائم من خلال المحاضرات والصحف والمجلات والكتب. ومن خلال تجربته الشخصية كفلسطيني المنشأ ترعرع في فلسطين في وقت إنشاء دولة إسرائيل، دافع إدوارد عن إنشاء دولة فلسطين إضافة إلى حق العودة الفلسطيني. كما طالب بزيادة الضغط على إسرائيل وخصوصاً من قبل الولايات المتحدة. كان إدوارد سعيد عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني لعدة عقود.

 

حازت مذكراته “خارج المكان” المؤلفة سنة 1999 على العديد من الجوائز مثل جائزة نيويورك لفئة غير الروايات، كما حاز سنة 2000 على جائزة كتب أنيسفيلد-ولف لفئة غير الروايات وغيرها.

 

شارك مع صديقه دانييل بارينبويم بتأسيس أوركسترا الديوان الغربي الشرقي سنة 1999 وهي مكونة من أطفال فلسطينيين وإسرائيليين ومن أطفال عرب. كما كان إدوارد عازف بيانو بارع. ونشر بالمشاركة مع صديقه بارينبويم في سنة 2002 كتاباً عن محادثاتهم الموسيقية المبكرة بعنوان : المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع.

ظل إدوارد نشطاً حتى آخر حياته وتوفي بعد صراع طويل مع اللوكيميا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث