هيكل “التسعيني”.. أسطورة تتحدى الزمن

هيكل "التسعيني".. أسطورة تتحدى الزمن

هيكل “التسعيني”.. أسطورة تتحدى الزمن

في العام 1969 وقف الزعيم جمال عبد الناصر بقامته الممشوقة وطوله الفارع يستمع في إنصات بالغ “للأستاذ” وهو يتحدث بهدوء بينما كان نائب “ناصر” محمد أنور السادات يقف خلفهما في أدب يرقب الحديث عن كثب، وما هي إلا دقائق معدودة حتى اتجه عبد الناصر إلى مكتب رئيس التحرير ليجلس عليه و”يجربه” لعله يقبض بيده على سر هذا السحر المشع من هيكل .

 

حدث هذا ضمن وقائع افتتاح المبنى الرئيسي لجريدة الأهرام بشارع الجلاء تحت قيادة الأستاذ، حيث تحولت المناسبة إلى كرنفال يجمع نخبة مصر السياسية والثقافية في حضرة عميد الصحافة العربية وأسطورتها العابرة للأجيال محمد حسنين هيكل، هذا المشهد التاريخي الذي جمع بين رئيسين للبلاد في صحبة “هيكل” والذي يحتفظ به أرشيف الجريدة العتيدة لم يكن سوى مثال جديد على سطوة الكاريزما “الهيكلية” والتي استمر توهجها حتى الآن.

 

الاثنين 23 أيلول/سبتمبر أتم “الأستاذ” عامه التسعين، فقد ولد عام 1923 ليصبح أصغر مراسل حربي قام بتغطية حرب العلمين بين قوات المحور والحلفاء وعمره لا يتجاوز التاسعة عشرة، وحين أتم عامه التاسع والعشرين أصبح أصغر رئيس تحرير لمجلة “آخر ساعة” وكان ذلك في 18 حزيران/يونيو 1952 بعد عمله فيها لمدة لم تزد عن خمس سنوات.

 

المدهش أن الرجل الذي تربي على روائع الشعر العربي وتسيل من بين ثنايا كتاباته أبيات المتنبي كمجري مائي يتدفق بالحكمة، وتلمع ذاكرته بالإسرار الموثقة للسياسة الدولية ونسج خيوط الصداقة مع أهم زعماء العالم الذين غيروا وجه الكوكب وتتحول قراءته للمشهد السياسي إلى حالة خاصة تمتزج فيها الرؤية الثاقبة بالمتعة الخالصة للمتلقي، هو نفس الرجل الذي يرفض لقب “المفكر” أو حتى “المؤرخ” ويصر في تواضع جم على أنه مجرد “جورنالجي “.

 

تسعون عاما ولا زال الرجل كعبة يحج إليها كل حاكم جديد، من ناصر إلى مرسي مرورا بالمشير طنطاوي، أحاديثه التلفزيونية تتحول  إلى حدث تترقبه الأسرة كل أسبوع وتفرد له الصحف مساحات مطولة اليوم التالي، حدث ذلك في إطلالته قبل سنوات على قناة الجزيرة في برنامج “مع هيكل” وها هو يتكرر مع برنامج “مصر أين… ومصر إلى أين” على فضائية سي بي سي.

 

يكفي أن تقول “الأستاذ” وتصمت ليعرف الناس من تقصد، والحق أن أستاذيته تشكلت ملامحها على نحو فريد عبر عقود عديدة، فالرجل مغرم بالوثائق، لا يتحدث إلا فيما كان شاهد عيان عليه ومشارك فيه أو على الأقل لديه المعلومة من مصادرها الأولى، يفتح بابه للجميع وينفتح على كل الأفكار والرؤى والاتجاهات الحديثة باستثناء الإسرائيليين الذين رفض التواصل مع أي من مسؤوليهم أو كتابهم في موقف مبدئي عبر مسيرته المديدة .

 

حين علم بإصابة النجم الراحل أحمد زكي بمرض السرطان طلب لقاءه، وبالفعل ذهب إليه على الفور ونصحه الأستاذ بالتعامل مع الأزمة بجدية والإنصات لتعليمات الأطباء وصارحه بأن هذا ما فعله بالضبط مع هذا المرض.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعرف فيها الرأي العام أن “هيكل” سبق أن أصيب بالسرطان وأتم الله شفاءه .

 

ولم ينم هذا الموقف عن البعد الإنساني في شخصيته فقط، بل أثبت أنه في الشدائد يتبع مبدأ: الضرورات تبيح المحظورات، فقد ظل ينأى بحياته الشخصية وهمومه وأوجاعه بعيدا عن الأضواء لكنه من أجل أن يكون سببا في مساندة موهبة بحجم احمد زكي، تحدث لأول مرة عمن محنة المرض في مسيرته.

 

كل سنة وأنت طيب …

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث