لنترك لابنائنا الورد والذكريات

في الغربة نعيش سويا. مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة. دروز وعلويون. موارنة وكاثوليك وارثوذكس. نتباهى بلبناننا . نعلق اعلاما للوطن في سياراتنا.

لنترك لابنائنا الورد والذكريات

أدهم جابر”رزق الله أيام زمان … على أيامنا لم يكن لدينا تفرقة… كنا أبناء وطن واحد ..شركاء في كل شي حتى في الرغيف”. لطالما استغل والدي كل وقت قضاه معي للحديث عن لبنانه وبيروته. يوم كان لبنان سويسرا الشرق وحين كانت بيروت لؤلؤة المتوسط. هكذا ،على الأقل، رأى والدي وطنه، قبل الحرب الأهلية وقبل الدمار وقبل زمان الذبح على الهوية. شاخ أبي على ذكرياته.وكبرت أنا. أنا ابن جيل ولد في الحرب، يوم كان الكل يقاتل الكل. اليوم أصبحت والدا لطفلين لم يولدا في لبنان. طفلان وضعاني في حيرة. عن ماذا سأحدثهما إذا ما أردت أخبارهما عن وطنهما؟ يسألني إبراهيم ابن الست سنوات عن بعض العمارات التي ما زالت تحمل أوشام الحرب الأهلية، أحاول أن ارسم له صورة وردية ، بالادعاء ان الطبيعة هي من حطمت جدران المباني ، لكنه يرد ببراء طفل واثق مما سيقول: هذه آثار رصاص وقذائف يا بابا. جواب يعيدني الى سؤال طرحته مرارا على والدي عندما كنت صغيرا وعلى نفسي حين اصبحت والدا. من ذا الذي يقوى على الاعتداء على براءة الأطفال مهاجما بيوتهم الآمنة؟.نعم ،نحن جيل الحرب. ورغم كوننا كذلك إلا أننا لم نفرق فيما بيننا. في الغربة نعيش سويا. مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة. دروز وعلويون. موارنة وكاثوليك وارثوذكس. نتباهى بلبناننا . نعلق اعلاما للوطن في سياراتنا. تنعدم النقاشات السياسية بين الطوائف المختلفة… في الغربة لا اشتباكات بين اللبنانيين ولا شوارع متوفرة لحرب العصابات ،جل ما في الأمر سعي وراء لقمة حرمنا منها في الوطن. هذا هو حالنا عندما نحلق كـ”النوارس” المهاجرة بحثا عن الماء والكلأ .هو حال يختلف كثيرا عن واقعنا داخل لبناننا. واقع نأبى أن نكتب تفاصيله الا بالحزن والمآسي واحيانا كثيرة بالدم. في لبنان، ذات لحظة قد يتحول إنسان إلى جثة إذا ما اختلف اثنان ،ليس على فكرة، وإنما على إشارة مرور في زاروب ما.لا ذكريات لي عن بيروت وساحاتها لأنقلها الى ابني. لا اعتقد أنني سأجرؤ على القول له يوما ما.. “رزق الله أيام زمان”. لن اتجرأ على التبجح أمامه ولن أكابر او أفاخر، ذلك أن كل ما يمكن أن اقدمه لولد لا زال يبتسم للحياة معتقدا أن وطنه ” قطعة سما” هو مساعدته على تصديق ما يعتقده، إضافة إلى تمنيات كثيرة بألا يفقد اللبنانيون رشدهم ،في ساعة طيش، ويعيدو عقارب الساعة إلى الوراء، يوم دمروا أحلامهم بأيديهم ودفنوا كل جميل في وطنهم. اليوم لا حاجة لنا باتهام الآخرين في حربنا. اليوم كلنا مسؤولون. الآخرون لا علاقة لهم بما تقترفه ايدينا. لمرة واحدة لنكن أصحاب القرار. لنكن الأيادي القابضة على الورد وليس “الزناد” ،لنكن كذلك حتى يصبح لأولادنا ذكرى يفتخرون بها ويحدثون ابناءهم عنها ، يوم يتزوجون، ويوم يخلفون، ويوم يعيشون.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث