كراهية الثقافة والتراث

كراهية الثقافة والتراث

كراهية الثقافة والتراث

حلمي النمنم

 

يبدو أننا نشهد موجة من العداء للثقافة وللتراث الإنساني في مجتمعاتنا، يوم 14 أغسطس ثارت حالة من الفوضى والعنف في بعض المدن المصرية، أثناء عملية فض ما عرف باعتصامي رابعة والنهضة، وترتب على تلك الحالة أن تم نهب متحف ملوي بالكامل وإحراقه، المتحف كان يضم أكثر من ألف قطعة أثرية بينها تمثال نادر لإخناتون، يعود إلى أكثر من عشرين قرنا، وفي نفس اليوم، وربما في التوقيت نفسه، تم إحراق بيت ومكتبة الأستاذ محمد حسنين هيكل في برقاش بالكامل، بما تضم من كمية هائلة من الوثائق يتعلق معظمها بتاريخ مصر والعالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى سنة 1974 ، حين ترك هيكل موقعه في الأهرام إثر خلاف سياسي مع الرئيس السادات، وبعض هذه الأوراق قد لا تكون هناك أصول أو نسخ أخرى منها في إطار أن كل مسئول يحرق أو راقه قبل الرحيل.

 

ولم يكن هذا كل ما جرى، ففي الإسكندرية تمت الاغارة على مكتبتها بالشاطبي، وتم تكسير الأبواب الزجاجية لمدخلها وأمكن لأمن المكتبة حمايتها والاكتفاء بهذا القدر من الخسارة.

 

في الذاكرة أيضا ما وقع قبل عام ونصف العام من إحراق المعهد العلمي المصري القريب من ميدان التحرير بمكتبته التي ضمت نوادر الكتب بمختلف اللغات، وهذا المعهد تأسس سنة 1798، ولا يبتعد هذا كله عما جرى في بغداد من الاعتداء على المتحف العراقي وسرقة محتوياته أثناء عملية الاحتلال الأمريكي للراق وإسقاط صدام حسين، قبل عشر سنوات.

 

نحن نعيش حالة من العداء للثقافة وللتراث، روجتها تيارات وفصائل من المتشددين والمتطرفين دينيا، الذين يعتبرون الآثار كلها مجرد أصنام يجب تحطيمها ، وكان يمكن لهذه التيارات محدودة الأثر والتأثير لو أن هناك وعيا عاما مرتفعا بقيمة الثقافة والتراث، غير أن اتساع الفقر والحاجة وضعف أنظمة التعليم في بلادنا وهشاشة المستوى الفكري أتاح لهذه التيارات أن تنتشر أفكارها بين المهمشين والمطحونين في مجتمعاتنا وهم كثر.

 

 ولنقارن هذا كله بما جرى في القاهرة سنة 1971 حين احترقت دار الأوبرا المصرية، يومها اندفع الباعة الجائلون بالمنطقة والمواطنين البسطاء للدخول في النيران ومحاولة الاطفاء، وكان لافتا يومها لعدد من المراقبين أن هؤلاء لم يدخلوا يوما دار الأوبرا ولا عرفوا فنونها، لكنها كانت أمامهم رمزا فنيا وثقافيا رفيعا ينبغي الحفاظ عليه وحمايته، لكننا الآن نجد التتار الجدد يحرقون وينهبون وبعضهم يرقص طربا ومنتشيا أمام ألسنة اللهب.

 

كيف ترد للثقافة وللتراث اعتباره؟

 

المر يقتضي ابتداء أن ترد الاعتبار لتاريخنا كله، ليس فترة ولا حقبة بعينها، بل كل فتراته وحقبه وأن نكف عن تقسيم هذا التاريخ، إلى جانب ملعون ومذموم يمثل الفضيلة والنقاء، ودون ذلك سيبقى التتار الجدد يعيثون تدميرا وحرقا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث