ندوب لا تمّحي وشركات تتاجر بالدم

ندوب لا تمّحي وشركات تتاجر بالدم

ندوب لا تمّحي وشركات تتاجر بالدم

يوسف ضمرة

 

 

ليس جديدا القول إن العالم فقد رشده، فقد سبق له أن أعلن عن نفسه بوحشية في الحربين الكونيتين، حين قام البشر بقتل ملايين من البشر الآخرين. وبالتالي فإن ما يحدث هنا وهناك، وبالتحديد في سوريا لا يعد أمرا مارقا أو خارجا عن المألوف البشري.

 

ما ينبغي لنا النظر إليه الآن، ليس اتفاقيات التسوية الدولية أو مؤتمرات السلام أو ما شابه ذلك، فهذا كله لن يمحو تلك التشوهات والندوب التي حفرت أخاديد في النفس الإنسانية، ويلزمها تعاقب أجيال لكي تتعافى، إن استطاعت.

 

الدول الكبرى معنية استراتيجيا بنفوذها ومستقبلها ومقدار سيطرتها على منابع الطاقة وطرق الإمداد الحيوية. وهي تفعل ذلك لا حبا بشعوبها كما قد يظن البعض، وإنما امتثالا لأوامر الشركات الكبرى العابرة للقارات، ولمتطلبات مصانع الأسلحة ورؤوس الأموال التي تحتاج إلى إعادة إنعاش بين دورة اقتصادية وأخرى.

 

وبين هذه المتطلبات والصراعات تتحول الشعوب الفقيرة وقودا لنار الصراع الدولي القائم منذ بدء التنظيم الاجتماعي على الأرض.

 

لقد نجح الغرب في القرن الماضي في التحايل على الهويات الأساسية التي تحدد مسار المجتمعات، كالهويتين القومية والطبقية، وتمكن من خلق هويات ثانوية في المجتمعات، أصبحت هي المهيمنة والمحددة لمسار الجماعات والشعوب. فظهرت حكايات المذاهب والطوائف التي أمسكت بزمام الأمور، وقادت بلادا كاملة إلى التهلكة.

 

المشكلة هنا هي أن الحروب القديمة في أوروبا ذات الطابع الاقتصادي المباشر، كانت تنتهي وتأتي بالسلام. وربما تكون الحرب العالمية الثانية مثالا حيا على ذلك، حيث تمكنت أوروبا وأمريكا بعد مقتل 30 مليون إنسان من الجلوس إلى الطاولة، ووضع خارطة طريق للمستقبل الذي نما بين ليلة وضحاها، على الرغم من استخدام السلاح النووي لا الكيميائي فحسب.

 

ذلك أن كل تلك الحروب لم تحفر عميقا كما يفعل القتل الوحشي في سوريا في النفوس. أي إننا بصدد كارثة سيكولوجية تصيب مجتمعا كاملا بالتشوه النفسي، الأمر الذي قد يؤدي ـ وسيؤدي حتما ـ إلى اختلالات مستقبلية غير منتظرة أو متوقعة.

 

فلتبحث الشركات الكبرى ومصانع الأسلحة عن مزيد من الثروات، ولا يقولن لنا أحد إن الدول الكبرى معنية بالفصل السابع أو سواه في مجلس الأمن رأفة بالسوريين أو حبا بالحلوى الشامية مثلا.

 

أجل، لقد آن لنا أن نعلن أن هذا العالم فقد عقله!  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث