الذاكرة.. مخزن خفي لإرادة الانسان

الذاكرة.. مخزن خفي لإرادة الانسان
المصدر: القاهرة- (خاص) من أمير عكاشة

تزدحم ذاكرة الإنسان بأحداث الماضي عندما يمر شريط الذكريات المليء بالمشاهد والصور ليعيد تقييمها ويعمل على تقويمها في عملية “جرد حساب” فتارة تراه يشعر بالراحة النفسية لما حققه من إنجازات، وتارة يغضب لأخطائه ويشعر بالحسرة كمن يقوم بـ “جلد الذات” لما تعرض له من إخفاقات.

ويستطيع الإنسان بعزيمته وإرادته تغيير الواقع لا الماضي ولا يتجمد في موقف أو مكان واحد يؤنب ضميره على ما فاته وقد تخونه الظروف في تحقيقها، فالمستقبل أمامه ليحقق أمنياته وتطلعاته، ومن الممكن تصحيح الخظأ بالاستفادة من الخبرة التراكمية وتجارب الماضي، إذ لربما تصيب الإنسان نائبة لكنها قد تكون سبباً في تغيير مسار حياته؛ باقتناص الفرصة وعدم تضييعها.

ويفسّر المحلل النفسي هنري فايزر أن: “الذاكرة العائلية تلعب دور السماد المخصب لحاضرنا وبفضلها نؤسس القاعدة لهويتنا”، ويضيف: “ينقل إلينا آباؤنا معارفهم وابتساماتهم، لكنهم ينقلون إلينا أيضاً شكوكهم وآلامهم، وهذا المخزون من المعطيات المتنافرة، هو ما نطوّره فيكبر معنا يوماً بيوم؛ فالذاكرة العائلية هي ما تجعل كل فرد، إلى حد ما يشعر بذلك الإحساس الغريب، بأن يكون نفسه”.

ويرى المحلل النفسي سافيرو طوماسيلا، أن: “هذه الجراح نادراً ما تسمح بإعادة تكوين بنية سيكولوجية في السلوك، بل تبلغ أحياناً حد منع شخص ما من أن يعيش حياته بالشكل الذي يجعله يستشعر المتعة فيها، وهكذا تغرقه في حالة من الكآبة الدائمة، تنتج هذه الجراح المعيقة أيضاً إحساسا بالوحدة العميقة جداً، التي تفرغ الفرد وتمتص كل طاقة إيجابية منه”.

فيما يؤكد سيغموند فرويد أن: “نظاما ذهنيا داخلنا يعمل على التكرار أو الإعادة، يجبرنا على أن نعيش الأحاسيس نفسها التي خبرناها في طفولتنا مرات ومرات”، ويضيف: “هذا الميل إلى الإعادة، يؤثر بالضرورة في كل علاقاتنا العاطفية مع المحيطين بنا، ويجبرنا على أن نعيد بناء السيناريوهات نفسها التي عشناها في حياتنا المبكرة، ومن هنا يتضح أنه مثلاً، إذا كان هناك شخص تعرض في طفولته لضرب مبرح أو تصرفات عنيفة من قبل والديه، فإنه سيتأثر طوال حياته بهذه العملية التي تسبب له الاضطراب، وقد يعيد إنتاجه كما هو بالضبط، أو أن يتخذ بطريقة مرضية مبالغ فيها مواقف وقائية، تحسباً لأن يتكرر في الحاضر ما عاشه في الماضي”.

مع كل هذا، فإن توقيف آلية التكرار والإعادة هذه، وإبطالها أو حتى تخطيها، أمر ممكن وإن كان صعباً جداً، وهذا يكمن في دور علم النفس والطب النفسي، حيث يشرح لنا هنري فايزر الأمر قائلاً: “أولاً، وقبل كل شيء، على الطبيب المعالج أن يحدد ماهية الصدمة العاطفية التي تعرض لها المريض وهو طفل، لهذا يبدأ المعالج في التنقيب داخل لا وعي المريض وذاكرته؛ لاقتلاع أبرز العناصر التي سببت له الاضطراب”.

ويتابع فايزر: “أستطيع أن أؤكد أن هذا الحفر في أعماق اللاوعي، يتم عادةً والمريض مستلق على ظهره في وضع مريح على كرسي طويل، لأن هذه الوضعية تحيله بسهولة إلى فترة الطفولة، حين كان الطفل الصغير غير قادر على التحكم في عضلاته، ويعتمد على أمه لتحمله”.

والمرحلة الثانية، كما يقول فايزر هي مرحلة القطيعة مع الماضي، حيث يتخلص الفرد من الماضي ويقاطعه، ولا يعني هذا بالضرورة أن ينساه تماماً من ذاكرته، لكن يعني فهمه وتوجيهه وتحويله إلى عنصر مقبول بالنسبة إلى الذات.

وبطبيعة الحال، فإن هذا العمل لن يكون سهلاً أبداً، ذلك أنه داخل كل منا كتلة من الأحاسيس التي تتنوع ما بين الندم والألم وتأنيب الضمير، والتي تجثم ثقلها على ذاكرتنا كما لو كانت صندوقاً كبيراً مليئاً بالأثقال.

وهنا، يوضح فايزر: “يأتي دور المعالج النفسي لتفريغ هذا الصندوق من الأثقال، ويجعله أخف وزناً حتى يتمكن المريض من أن يبدأ عملية إصلاحات، تمكنه في النهاية من أن يعيش حياته ويستمتع بكل لحظة فيها، والهدف من هذا طبعاً ألا تصبح آلام ماضينا نقاط ضعف في مستقبلنا”.

فالذاكرة هي هوية الفرد ومن غيرها يكاد يكون شخصاً ميتاً، كالأمة التي بلا ماض تظل أمة ميتة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث