مقهى الفيشاوي… عبقرية المكان ورائحة الماضي

مقهى الفيشاوي… عبقرية المكان ورائحة الماضي

القاهرة- في هذه الأيام الصعبة التي تعيشها مصر من تراجع في السياحة، قد يكون الوقت مثاليا لإعادة النظر في الحديث عن مقهى “الفيشاوي” الشهير، الذي يعتبر أحد رواده الروائي الكبير الراحل نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل.

يقع المقهى على شارع ضيق من سوق خان الخليلي في القاهرة، يبدو المقهى مبدعا وملفتا للنظر مع حلول الظلام، إذ تشاهد تلبيسة المشربية الخشبية والجدران المغرة الصفراء، ويتم تقديم مشروبات لذيذة ساخنة في أقداح زرقاء داكنة تأتي في صواني ذهبية كبيرة وتصب في أكواب مزخرفة، في حين تظهر الثريات الضخمة والمرايا مؤطرة في الخشب، ما يمثل روعة بصرية للمصورين والسياح العرب والأجانب.

البدايات

قبل نحو 240 عاما، كان هناك رجل يدعى الفيشاوي، بدأ تقديم القهوة فقط إلى أصدقائه والزائرين لمنطقة الحسين في زقاق حي خان الخليلي في القاهرة مساء كل يوم بعد صلاة العشاء، حتى أصبحت تعرف باسم “قهوة الفيشاوي”، يعتبر هذا المقهى تاريخ غني لكونه يحظى بشعبية كبيرة بين النخبة المصرية، وهناك شارع خان الخليلي الذي يمكن أن يكون مكانا مربكا للغاية بسبب الزحام، إذا أردت أن تعثر على الفيشاوي يمكن أن تسأل أي شخص يشير إلى الطريق، ستجد مكانا شعبيا ساحرا في منطقة الحسين، التي تحمل مسجدا بنفس الاسم، وتستطيع أن تجلس في الهواء الطلق على مقاعد خشبية قديمة، ومن حولك مزيج كبير من رواد المقهى من سكان محليين وسياح.

بداخل المقهى تجد الفيشاوي الكبير ينظر إليك ويرحب بك من خلال صورة ضخمة وضعت في إطار يحكي أصالة وعمارة المقهى، وهو يمتطي جوادا يختال به فخرا، حيث يومئ الفيشاوي إلى ناظره بالنظر في مرآة عتيقة تأخذ جانبا كبيرا من المقهى أبدع صانعها في تزيينها بالأرابيسك النادر، تشد الناظر إليها فيتأملها من جوانبها الأربعة، ولكل جانب منها له عبق كلاسيكي مميز يعكس شكلا آخر لمرآة أخرى وضعت في آخر الممر توهم الجميع أن هناك ممرا آخرا، حتى تصطدم به فتتوقف لتتأملها، فهي عبارة عن أثر تاريخي يندر وجوده، جميل في تأمله رائع في تصميمه.

أول ما يشد انتباه الشخص داخل المقهى، غرفة صغيرة أشبه بمتحف وأثر معماري، اعتاد الجلوس بها الأديب نجيب محفوظ والعندليب عبد الحليم حافظ، تحوي بداخلها مرآة ثلاثية فريدة وساعة حائط كبيرة، يرجع تاريخها إلى العصر التركي، إلى جانب راديو أثري قديم جدا، بالإضافة إلى نجفة ضخمة يرجع تاريخها إلى عام 1800م، تزين هذه الغرفة، ولا يستطيع أحد دخول الغرفة أو الجلوس بها، إلا لمن اعتاد التردد عليها، وتميز عن غيره.. أمثال عمرو موسى والعندليب ومحفوظ.

وفي أعلى سقف الغرفة تشهد الإثارة الكلاسيكية والثقافية، حيث تجد قناديل تفنن الصانع في إبداعها وأضفت على الغرفة مزيدا من الرهبة والإحساس الرفيع بالأصالة في الصنع والجمال في الرؤية.

وتم افتتاح المقهى عام 1773م في عهد محمد أبو الدهب في عصر المماليك، وقام بتأسيسها الفيشاوي الكبير على مساحة كبيرة تقلصت لتصل إلى خمس المساحة التي يشغلها المقهى الآن، إذ لعب محافظ القاهرة آنذاك دورا كبيرا في هذا التقليص، الأمر الذي جعل الفيشاوي يرحل مفارقا دنياه، حزنا على ذلك.

وترتقي الخدمة هناك إلى المستوى المطلوب، ولكن طالما أنك لست في عجلة من أمرك، يمكنك الاسترخاء وأخذ جولة بصرية أثناء انتظارك لمشروبك، ويمكنك طلب مجموعة متنوعة من المشروبات فقط دون تقديم المأكولات، كالعصائر المثلجة مثل المانجو، أو المشروبات الساخنة مثل الكركديه والشاي والسحلب وغيره، ويمكنك أيضا أن تدخن الشيشة، فيما لا تزال الأسعار معقولة نسبيا.

رواد المقهى

يقول الفيشاوي الصغير امتداد هذه السلالة إن المقهى لا يقل في امتداده التاريخي عن الأهرامات، بل يعد أثرا تاريخيا مثلها، فهو يحمل في جوانبه أسرار كل من ارتاده من عباقرة الفن والأدب والسينما، أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبد الحليم حافظ وبيرم التونسي وصلاح جاهين وصلاح عبد الصبور، إضافة إلى أهل الفن والسياسة، مثل سعد زغلول وأم كلثوم وعمرو موسى.

وأضاف أن هذا المكان شاهد على أصالة وعراقة التراث المصري الفريد، فضلا عن أهميته التاريخية، بالنسبة لرواد المقهى أو لأسرة الفيشاوي، وقال: “أنا حريص كل الحرص في المحافظة على هذا المقهى الأثري، ولا أرغب في تطويره، أو إضافة أي لمسات جمالية إليه، حتى لا يفقد قيمته الأثرية وتميزه التاريخي”.

ويرفض الفيشاوي إدخال تليفزيون أو حتى صالة للبلياردو، حيث يرى أن لها أماكنها الخاصة بها، وأن وجودها سوف يجلب الكثير من العامة الذين يفتقدون إلى الإحساس بالرؤية الجمالية لهذا المقهى.

وعن المقهى قديما وحديثا يستعيد الفيشاوي الصغير ذكرياته ويقول إن رواد المقهى حاليا اختلفوا كثيرا عن الماضي، حيث أصبح توافدهم إلى المقهى من أجل التسلية، إضافة إلى البعض الذي يحضر ليستعيد ذكرياته الجميلة ويعيش معها بنفسه، إذ اختلفت الأحاديث السياسية وقضايا البلد وكل شيء أصبح مختلفا وله شكل مغاير للماضي.

وفي الحديث عن رواد المقهى من المثقفين والفنانين والأدباء وهجرهم له، يتفحص الفيشاوي المقهى في نظرة تنم عن الحيرة والتشاؤم، ويقول إن المكان أصبح يضج بالباعة والمقاهي التي انتشرت في كل مكان، وكذلك المحلات التي كثرت في كل أرض من أراضي منطقة الحسين، لذلك لم يعد المقهى مكانا مناسبا للمثقفين والسياسيين، فهجروه إلى غير عودة، وبعد أن فقد المقهى رواده من طبقة السياسيين والمثقفين، ظل هناك بعض من فئات المجتمع تتردد عليه، إضافة إلى السياح الذين تشدهم مثل هذه الآثار القديمة.

وأضاف أكرم الفيشاوي، وهو واحد من الجيل السابع للعائلة، أن المقهى يمثل حقا الماضي في مصر، والآن يعد الأكثر شهرة في العالم العربي، ويمثل أسلوبا اجتماعيا تقليديا من الاسترخاء مع الأصدقاء والزملاء، داخل محور مكتظ كثيرا بالزائرين في منطقة القاهرة الإسلامية والمؤسسات التاريخية، مثل سوق خان الخليلي والمسجد الأكثر شعبية سيدنا الحسين بن علي والأزهر.

وأشار، إلى أن المقهى جلب شهرته من الأديب الراحل نجيب محفوظ، حيث كتب أجزاء من ثلاثيته الحائزة على جائزة نوبل في الغرفة الخلفية للمقهى، وأيضا من جلوس الشاعر الغنائي أحمد رامي الذي كتب أغاني مازال العالم يذكرها للراحلة أم كلثوم، وغيرهم من الشخصيات التي أثرت في التاريخ الثقافي والفني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث