جزر القمر..عروس السياحة العذراء

جزر القمر..عروس السياحة العذراء

موروني– تقع جزر القمر في المحيط الهندي، ما بين أراضي قارة أفريقيا غرباً ويابس نجزيرة مدغشقر شرقاً، أي عند المدخل الشمالي لمضيق موزمبيق، حيث تمتلك ذلك المزيج من الجمال الطبيعي والمخزون الثقافي والتاريخي، الذي نادرا ما يجتمع في مكان واحد.

مناخ استوائي استثنائي يحتضن احتفالات تعرض منتجات حرفية من وحي الموروث المحلّي، فسيفساء استرقت من الجغرافيا روعتها، ومن التاريخ والثقافة عصارتهما، لكنّها تبقى غير معروفة تقريبا، وغير مستغلّة..

اتّخذ الأرخبيل تسميته جزر القمر من موقع الجزر الأربعة، التي تكوّنه، حيث تتابع في شكل هلال قمري.

جزر القمر، الدولة العضو في جامعة الدول العربية، تعاني في الوقت نفسه من نقص إشعاعها على المستوى الدولي، يضاف إلى ذلك العزلة البحرية التي تعيق نموّ القطاع السياحي فيها، إلى جانب افتقارها إلى البنية الأساسية المناسبة، والتي ساهمت بشكل أو بآخر في تدنّي خدماتها على مستوى عروض الاقامة التي تقدّمها للسياح.

لذلك، فإنّ كلّ ما يحتاجه الأرخبيل هو “تثمين ما يتوفّر عليه من إمكانات ليتحوّل إلى قطب سياحي حقيقي”، فانتعاش قطاع مماثل من شأنه أن “يدفع العجلة الاقتصادية الوطنية بجزر القمر، وهذا سيوجد بالتالي فرص عمل عديدة، ويؤدي إلى دعم الزراعة وتنشيط مجال النقل.. وهي عوامل قادرة على تحسين مستوى معيشة السكان”، بحسب ما ذكرته رئيسة مجلس إدارة ديوان السياحة إحسان غوي.

وأضافت:”باختصار، انتعاشة السياحة ستبعث الحياة في شريان الاقتصاد”، مشدّدة على ضرورة التدخّل السريع لفائدة السياحة، “ففي ظلّ غياب بيانات حديثة بخصوصه، تبقى الاحصائيات المتوفّرة في حالة جمود، حيث لم تتخط تقريبا الإيرادات السياحية عتبة الـ 140 مليون دولار منذ العام 2000 إلى اليوم”.

وحصلت جزر القمر على هذه المداخيل بفضل الـ 30 ألف سائح، الذين يعبرون حدودها سنويا، وهذا، وفق غوي، “رقم مثير للخجل لدى مقارنته بعدد السياح الذين يزورون جزر الموريس (500 ألف)”.

أمّا على مستوى التشغيل، انخفضت مواطن الشغل من 960 إلى 490 العام 2009.، وهو تدهور يتطلّب “تدخّلا عاجلا لانقاذ قطاع السياحة في جزر القمر” على حدّ قول غوي.

ويعتبر افتتاح ديوان السياحة الوطني، أخيرا، بالعاصمة موروني بمثابة شعاع الشمس، الذي ظهر فجأة في سماء مغيّمة فأزاح عنها البعض من اكفهرارها، هيكل لطالما انتظره السكان من أجل الترويج للسياحة ببلادهم.

رئيسة الديوان الوطني للسياحة بجزر القمر عقّبت على الموضوع قائلة “الهيكل يعنى أساسا بالترويج للامكانات المتاحة للجزر، وخاصة فيما يتعلّق بسياحة الاسترخاء والسياحة البيئية في ظلّ غياب الفنادق الكبرى”.

وأشارت غوي إلى أنّ “دعم السياحة في جزر القمر مقترن في عمقه بتعزيز البنى التحتية وقطاع الطاقة، والأهمّ الترويج لوجهتنا الوطنية، وهذا لن يتحقّق إلاّ عبر وضع الآليات اللازمة لسياسة مستدامة تعنى بتصدير صورة إيجابية عن البلاد”.

من جانبها، ترى نعمة إدريس، مديرة فندق “حديقة السلام” بموروني أنّ جزر القمر “تمتلك ثروات سياحية متنوّعة، وتضمّ عناصر طبيعية وتاريخية قادرة على أن تتحوّل، في صورة استغلالها، إلى سوق سياحية هامّة”.

واشارت إلى الصعوبات، التي تعيق القطاع السياحي في بلادها، من ذلك المشاكل المتعلّقة بالطاقة ونقص العمالة المختصة، وخصوصا النقص الفادح المسجّل على مستوى عدد السياح، والعائد بالأساس إلى الغلاء المشطّ لوجهتنا السياحية”، مشدّدة في السياق ذاته على أنّ “السياحة في جزر القمر ما تزال تعاني من التذبذب، في الوقت الذي كان يمكن أن تكون فيه محرّكا للتنمية”، ذلك أنّ القطاع “لن يتمكّن من الإقلاع في ظلّ عدم توفّر التزام جدّي وإرادة سياسية تشاركية من لدن الدولة”.

الموقف ذاته يحظى بتأييد مدير نزل “الأقواس” بموروني درامسي فيروزالي، حيث يلفت إلى أنّ الدولة “تظهر إرادة سياسية إزاء موضوع السياحة، غير أنّها تغيّب الخطوات العملية في اتّجاه تطوير القطاع”.

وأضاف:”السياحة تحظى باعتراف الدولة بها كقطاع واعد وداعم للتنمية، غير أنّ الاهتمام لم يتوّج بخطوات فعلية بعد”.

ويمتلك أرخبيل جزر القمر مؤهّلات تتيح له إمكانية التحوّل إلى جنّة يقصدها السياح حول العالم، فالجزر الأربعة التي تكوّنه تمتلك ذلك السحر الحالم، الذي يتّخذ أشكال متعدّدة ومتجدّدة، سحر يغري بسبر أغوارها وكشف تفاصيلها.

جزيرة “نجازيدجا”، التي تعرف أيضا بـ “جزيرة القمر الكبرى”، هي أكبر الجزر البركانية للأرخبيل، حيث أن جولة صغيرة في أرجائها تمكّن المرء من معانقة جمال سواحلها الممتدّة، والمليئة بالسلاحف، واكتشاف مناطقها الجبلية المخضّبة بالمشاهد الطبيعية الخلاّبة، سهول ومرتفعات تتعانق في الفضاء فتشكّل لوحة فنية على قدر وافر من الجمال.

وتحتلّ بحيرة “نياماوييي” (بحيرة ملح) الجزء السفلي من المخروط البركاني المطلّ بدوره على السهول الخلابة، التي تتخلّلها كهوف بركانية ترتبط فيما بينها بأروقة يصعب بلوغها.

وعموما، تعتبر هذه الجزيرة القلب الاقتصادي النابض للدولة، خاصة مع تطوّر صناعة الأخشاب فيها.

ومع وجود بركان “كارتالا” (2361 م)، الذي يمتلك أكبر فوهة في العالم (حوالي 4 كيلومترات)، تصبح عملية الصعود إلى قمّته عبر طريق تتخلّلها الغابات والشلالات مغامرة انسانية فريدة من نوعها.

أمّا جزيرة “موهيلي”، فتشتهر بحديقتها البحرية “موالي” ( موهيلي )، هي جوهرة طبيعية استثنائية في المحيط الهندي، وشاهد على عذرية هذا الركن من العالم.

وتتميّز الحديقة بإقامة موسمية للحيتان الحدباء (من تمّوز/ يوليو حتّى تشرين الثاني/ نوفمبر)، ووجود دائم للدلافين والحيتان.

جزيرة ثالثة تحمل اسم “أنجوان”، اشتهرت على الصعيد العالمي بعطورها وبتضاريسها وببحيرة “نزيالاندزي”، جزيرة ثالثة تدعو باغراء إلى سبر أغوارها، مجموعة من الحيوانات والنباتات تعيش في ذلك المكان، إلى جانب بساتين الفاكهة والسرخس وكلاب البحر وخفافيش من نوع “روسات دي ليفينستون”.

وتحتضن الجزيرة أيضا أنقاض القصور السلطانية القديمة ومعامل التقطير والمصانع الاستعمارية القديمة، لتنضاف إلى المشهد العام تلك اللمسة الساحرة الجامعة بين جواهر الطبيعة وعصارة تاريخ المنطقة.

وفي جزيرة “مايوت” (وهي أقدم جزيرة في الأرخبيل)، تنتصب شعابها المرجانية الممتدّة على طول 150 كيلومتر شاهدة على جمالها الطبيعي الأخّاذ، وتطلّ على بحيرة تتجاوز مساحتها الـ 1000 كيلومتر مربّع..

وعلى غرار الجزر الأخرى، تمتلك “مايوت” رصيدا هاما من التنوّع الحيواني والنباتي.. شجر استوائي وسلاحف بحرية ودلافين وحيتان تشهد على التنوّع البيولوجي الفريد والثراء الطبيعي الاستثنائي.

مجموعة فريدة من نوعها تضمّ الحدّ الأقصى من وسائل الجذب، غير أنّ المرور إلى مرحلة التأسيس الفعلي لملامح قطب سياحي يتطلّب تدخّلا فوريا وفعليا للسلطات في جزر القمر، من أجل أن تتخلّص السياحة فيها من تلك الصورة النمطية التي تطاردها وتجرّدها من إمكانية التحوّل إلى عنصر جذب على الصعيد الدولي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث