الخليج أكثر جذبا للأموال الأجنبية

الخليج أكثر جذبا للأموال الأجنبية

دبي- تتدفق الأموال الأجنبية على المناطق الأقل احتياجا إليها في الشرق الأوسط، إذ بدأت منطقة الخليج تصبح وجهة رئيسية لمستثمري المحافظ الدولية، بينما تحول القلاقل السياسية دون ضخ استثمارات في أنحاء أخرى بالمنطقة.

عندما تفجرت الانتفاضات في مصر وتونس ودول عربية أخرى قبل أكثر من عامين، بدا أن الربيع العربي سيأتي بتأثير مختلف كليا، فمع الإطاحة بالحكام الفاسدين وتشكيل حكومات ديمقراطية تركز على رفع مستويات المعيشة، بشرت الانتفاضات بفتح الأسواق أمام المزيد من التنافس وجذب استثمارات أجنبية جديدة في معظم دول شمال إفريقيا وبلاد الشام.

وبدا أن منطقة الخليج التي نجحت في تفادي التغيرات السياسية الكبيرة تمثل فرصة أقل جاذبية، بعد أن اتخذت الأنظمة الملكية استعداداتها لمقاومة شبح الاضطرابات وتخلت عن إصلاحات اقتصادية تنطوي على حساسية سياسية.

لكن منذ عام 2011 وضعت الغالبية العظمى من المستثمرين ثقتها في الخليج، وتألقت أسواق الأسهم والسندات الخليجية لأسباب عدة من بينها تدفقات الأموال الأجنبية عليها، بينما عانت الأسواق المتأثرة بالربيع العربي.

هذا التناقض برز الأسبوع الماضي، عندما رفعت ستاندرد آند بورز داو جونز لمؤشرات الأسواق تصنيف قطر والإمارات العربية المتحدة إلى وضع الأسواق الناشئة من الأسواق المبتدئة، بعد قرار مماثل أخذته شركة إم اس سي آي للمؤشرات في حزيران / يونيو.

ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى جذب أموال أجنبية جديدة تقدر بمئات الملايين من الدولارات إلى هذين السوقين، إذ يضع الخليج على الخريطة للمرة الأولى أمام بعض الصناديق الأجنبية التي تتابع عن كثب مؤشري اس آند بي وإم إس سي آي.

وقال مديرو صناديق لقمة رويترز للاستثمار في الشرق الأوسط إن التصنيفات الجديدة جاءت في إطار موجة يزيد فيها التفات المستثمرين الأجانب إلى القطاعات غير النفطية في الاقتصادات الخليجية وكذلك ثرواتها في مجال الطاقة.

وقال رئيس قسم استراتيجيات الاستثمار لدى مجموعة ماسك السعودية جون سفاكياناكيس : “بدأت دول الخليج في جذب اهتمام المستثمرين الدوليين بعيدا عن مجال الغاز والنفط والهيدروكربونات”.

ولم يعد يخفى على أحد أن السياسة تلعب دورا رئيسيا، فالكثير من المستثمرين استهانوا بخطورة التوترات الطائفية التي كشفت عنها أحداث الربيع العربي، وقليل من توقعوا أنه بعد مرور عامين ونصف العام ستظل الحرب الأهلية دائرة في سوريا وستفتقر مصر إلى حكومة ديمقراطية، بينما تفتقر ليبيا إلى أي حكومة قادرة على بسط سلطتها.

في الوقت نفسه كان أداء الحكومات الخليجية في الحفاظ على الاستقرار السياسي في بلادها أفضل مما توقعه الكثيرون، ذلك أن معظم برامج الإنفاق الحكومية الضخمة الممولة بإيرادات النفط نجحت في تحقيق السلام الاجتماعي.

وهناك عوامل أخرى لعبت دورا أيضا، فأزمة الديون التي شهدتها منطقة اليورو وحالة عدم اليقين التي اكتنفت السياسة الاقتصادية الأمريكية، انعكستا سلبا على الدول العربية التي تعاني من ضعف مركزها على ساحة التجارة الخارجية وتدهور أوضاعها المالية، بينما صبت في صالح تلك الدول التي تتمتع بفائض آمن في ميزان المعاملات الجارية والميزانية.

وأظهرت تقديرات شركة ليبر أنه حتى مع خروج أموال من صناديق كثيرة بالأسواق الناشئة في الربع الثالث هذا العام شهدت الصناديق التي تقتصر على أسهم الشرق الأوسط، ومعظمها يركز على الخليج، تدفقات صافية للربع الثالث على التوالي، ولم يحقق القطاع هذه المكاسب منذ 2008-2007.

وقالت ليبر إنه في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بلغ صافي التدفقات أكثر من 200 مليون دولار بما يعادل 12.5 % من أحدث قيمة للأصول الخاضعة للإدارة.

وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة تمبلتون للأسواق الناشئة مارك موبيوس إن الأداء القوي للاقتصادات الخليجية في السنوات القليلة المنصرمة ساعد بعض المستثمرين الأجانب على فهم المنطقة بصورة أفضل والتمييز بين الأسواق.

وأضاف: “يدرك الناس أن هناك اختلافا بين دبي وعُمان أو البحرين وقطر على سبيل المثال.. يمكنهم التمييز بينهم. وهذا مهم للغاية”.

نمو القطاع الخاص كان عاملا ثالثا ساهم في دعم الأسواق الخليجية، فالتوترات السياسية أضعفت الرغبة في إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثل تقليص برامج الدعم الحكومي الضخمة.

ولكن في الخليج اضطرت الحكومات إلى تكثيف جهودها لتوفير فرص عمل لمواطنيها بإجراء إصلاحات في نظام العمل وتقديم مساعدات مالية لرجال الأعمال ورفع القيود في بعض الأحيان، مثلما فتحت السعودية سوق الطيران.

ومع تنوعها التدريجي بدأت اقتصادات الخليج تصبح أكثر جذبا للمستثمرين الأجانب وأكثر قدرة على مواجهة انخفاض أسعار النفط، وانكمش إنتاج قطاع النفط السعودي 3.7 % على أساس سنوي في الربع الثاني من 2013 ولكن القطاع الخاص غير النفطي نما بنسبة 4.2 % مما أثمر عن نمو الاقتصاد بنسبة 2.7 %.

القوة السوقية المتنامية التي يتمتع بها القطاع الخاص في الخليج، اتضحت الشهر الماضي حين أصبحت شركة ماجد الفطيم الإماراتية المتخصصة في مراكز التسوق، أول مؤسسة غير مصرفية في الشرق الأوسط تصدر في السوق الدولية سندات هجين تحمل بعض خصائص الأسهم.

واشترى مستثمرون في بريطانيا 42 % من حجم الإصدار البالغة قيمته 500 مليون دولار تبعهم أوروبيون آخرون بنسبة 28 % ثم مستثمرون آسيويون بنسبة 12 %، وقبل عامين فقط كان من الممكن توقع شراء المستثمرين المحليين في الخليج لمعظم السندات المطروحة في أي إصدار من المنطقة، في ظل عزوف الكثير من نظرائهم الأجانب.

وقد يتحول النمو التدريجي لاستثمارات المحافظ الأجنبية في الخليج إلى موجة نمو عارمة في حال قررت السعودية فتح سوقها الأكبر في العالم العربي أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد استعدادها للإصلاح على مدى عدة سنوات، وتقتصر استثمارات الأجانب حاليا على صفقات المبادلة وصناديق المؤشرات ويعتقد أن حصتهم في سوق الأسهم لا تزيد على 5 %.

هناك قضية أخرى تتمثل فيما إذا كان بإمكان الأسواق الخليجية إدراج ما يكفي من أصول الشركات لإشباع شهية المستثمرين الأجانب.

في السعودية تسيطر الشركات العائلية على جزء كبير من الاقتصاد، بينما تمتلك الحكومة في قطر حصصا كبيرة غير قابلة للتداول في كثير من الشركات.

ويقول مسؤولون في البلدين إنهم يريدون طرح المزيد من الأسهم للتداول، ولكن قد تتسبب الحساسيات السياسية في إبطاء وتيرة التقدم.

ورغم ذلك ومع دخول تصنيفات ستاندرد آند بورز وإم إس سي آي الجديدة العام المقبل، فإن موجة الصعود التي تشهدها استثمارات المحافظ الدولية في الخليج يمكن أن تستمر بعض الوقت.

وربما يتمثل التهديد الأكبر في أسعار النفط، فمن شأن أي انخفاض لخام برنت إلى نحو 85 دولارا للبرميل من نحو 105 دولارات حاليا، البدء في الضغط على الأوضاع المالية لدول الخليج بينما يدعم اقتصادات دول الربيع العربي المستوردة للنفط مثل مصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث