مسألة الطاقة: مفتاحٌ للخروج من الأزمة الأوكرانية

مسألة الطاقة: مفتاحٌ للخروج من الأزمة الأوكرانية
المصدر: إرم- (خاص) من مدني قصري

قالت صحيفة “لبيراسيون” الفرنسية في تقرير لها “لا يشكل الاستفتاء الذي أُجري في القرم، والذي عبّر 95% من المشاركين فيه عن رغبتهم في الانضمام إلى روسيا، سوى مرحلةٍ في سياق عملية جارية قد تُفضي إلى أزمة سياسية كبرى”.

فروسيا، بلا شك، أوّل من يعِي هذه الحقيقة. فحتى وإن بدا تطويرُ قوّتها الناعمة لا يشكل واحدًا من أهدافها فإن روسيا مهدّدة بفقْد مكاسب الجهود المنجزة منذ عشرين عامًا من أجل تحقيق تكامل عالمي أفضل على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

ولا شك أن الاستثمارات التي تم إنجازها لتنظيم ألعاب “سوتشي” الأولمبية 2014 تشهد على وجود إرادةٍ حقيقية لتغيير صورة البلاد حقًا.

ففيما وراء هذه الصورة بدأت مؤشرات التوتر الأولى تطفو على الصعيد الاقتصادي: انخفاضُ سعر الروبل، وارتفاع نسبة التضخم من جديد. ففي هذا السياق تبدو العقوبات التي لوّح بها الكرملين تجاه شركائه التجاريين الغربيين، المتهّمين بالتدخل في شؤون روسيا، عوقبات صعبة التنفيذ للغاية.

مواصلة التحديث الصناعي

لم تعد احتياطيات البنك الروسي، مثلا، كافيةً لزعزعة الأسواق الاقتصادية، بِبيعها لليورو أو الدولارات بكميات هائلة. فروسيا بحاجة ماسة إلى رؤوس أموال تكنولوجية، تتلقاها من شركائها، من أجل متابعة التحديث الصناعي الجاري حاليًا. فإنْ كانت التهديدات الروسية تبدو غير جادة فكذلك الأمر بالنسبة للتهديدات الأميركية، وعلى الخصوص التهديدات الأوروبية.

لقد تراجع هامش الحركة بالفعل إلى حد كبير، ولا سيما بالنسبة للأوروبيين، على الرغم من الإجماع الدولي الواسع حول عدم شرعية الاستفتاء في القرم، وعلى الرغم أيضًا من المناورات الروسية خلال الأسابيع الماضية (نتائج الاستفتاء لم يتم الاعتراف بها إلا من قبل فنزويلا، وسوريا، وكوريا الشمالية، خارج روسيا).

ففي ألمانيا هنالك 6000 مؤسسة و300000 عامل يعيشون مباشرة على التجارة مع روسيا، وسوف يتضرّرون ضررًا بالغًا في حال تطبيق العقوبات التجارية على روسيا. وفوق ذلك يتعيّن على أنجيلا ميركل، أكثر مما يجب على شركائها الغربيين، أن تلعب ورقة التهدئة، وأن تعود إلى تطبيع علاقاتها مع روسيا، مرة أخرى.

وأخيرًا فإن التهديدات الأكثر جديّة تقع، مرة أخرى، على أرضية الطاقة. فبِحكم وفائِها لعادتها لم تنتظر شركة “غازبروم” كثيرًا حتى تلوّح بسلاح الطاقة، وبتهديدات قطْع إمداداتها نحو أوكرانيا، بل ونحو أوروبا قاطبة أيضاً.

علاقات القوة ما بين المنتجين والمستهلكين

لقد تغيرت اللعبة كثيراً منذ أزمة الغاز الأولى، ما بين روسيا وأوكرانيا العام 2005/ 2006. لكن هذا التحوّل لم يكن ثمرةً للرد الذي فكّر فيه الأوروبيون في تلك الفترة، والمتمثل في تغيير “جيوسياسة الأنابيب”، بتطوير المشروع الطموح والصعب “نابوكو” ( شبكة أنابيب أوروبية تتيح إمدادات الغاز، إنظلاقا من بحر قزوين).

بل هو يستند إلى استثمار الصخر الزيتي الذي سبق وأن غيّر كثيراً من علاقات القوى ما بين المنتجين والمستهلكين، والذي يُعتبر احتياطه الكامن أعظمَ من الغاز الطبيعي. ولا شك أن تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال تشهد، منذ بضعة أعوام، على نتائج استغلال الصخر الزيتي على نطاق واسع (فهذا الأخير يمثل في الولايات المتحدة ما يقارب 40% من إنتاج الغاز، مقابل 2 % فقط قبل عشرة أعوام).

من المؤكد أن عودة صناعة البتروكيماويات، وسلسلة كاملة من الصناعات المرتبطة بها، وبصورة أعم عودة انخفاض تكاليف الطاقة التي سوف تُنشّط تنافسية الاقتصاد بكامله، سوف تكون مصدراً لإنشاء 600000 فرصة عمل في الولايات المتحدة الأمريكية.

ففيما وراء هذه الجوانب الاقتصادية الصرفة، وتقليص تبعيّتها في مجال الطاقة سوف يعيد إلى الولايات المتحدة ثقلا سياسيًا كانت على وشك أن تفقده. لكن أمام المكاسب صارت كل العواقب المشؤومة الناتجة عن استغلال الصخر الزيتي (التلوث، والاستهلاك المفرط للماء، والتأخر في الأبحاث حول فعالية الطاقة…) ملموسةً مع الأسف، في حياة الجانب الآخر من الأطلسي، اليومية.

شراء الصخر الزيتي من الولايات المتحدة

فبلجوئها مرة أخرى إلى التلويح بسلاح الطاقة، لا تملك روسيا سوى تشجيع البلدان الأوروبية، التي لا تزال مترددة، على استغلال صخرها الزيتي، متأثرة في ذلك بِبولونيا. ولن يحتاج الأمر إلى جهد كبير لإقناع بلدان أخرى، أمثال المملكة المتحدة وألمانيا، التي تعتمد إلى حد كبير على غاز روسيا.

فالبلدان الأكثر تحفظًا (فرنسا وبلغاريا) أمامها اليوم مخرج جديد قد يطفو في أي لحظة، وهو شراء الغاز (الجزء الأكبر منه من الصخر الزيتي) من الولايات المتحدة. فالمنتجون الأميركيون، أمثال “إكسون موبيل” ينتظرون هذا منذ زمن طويل، لاسيما بعد مواجهتهم انخفاض الأسعار في السوق الاستهلاكية. فقد يصبح بالإمكان عندئذ الاستفادة من ثورة الصخر الزيتي (بأسعار أقل، مع تقليص للتبعية لروسيا في مجال الطاقة) من دون أن دفع الثمن البيئي على أراضيها.

وهكذا ها هي روسيا تواجه خطرًا حقيقيًا!

يستند جزءٌ كبير من تمويل اقتصاد روسا إلى المداخيل الناتجة عن تصدير الغاز. فهي بحاجة إلى سوق أوروبية، بل وإلى أوروبا مصنَّعة، وفي حالة صحية جيدة أيضًا. ولذلك فإن اِلْتقاء المصالح الاقتصادية والسياسية يتبغي أن يساعد على خلق تطبيعٍ سريع للعلاقات ما بين أوروبا وروسيا، ينطوي على تسوية ذكية للمسألة الأوكرانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث