أمسيات الموسيقى الروحانية ميزة المدن المغربية العريقة خلال شهر رمضان

أمسيات الموسيقى الروحانية ميزة المدن المغربية العريقة خلال شهر رمضان

تتوهج ليالي الذكر خلال شهر رمضان الكريم في المغرب، مع الفرق الصوفية التي تحيي أمسيات فنّ السماع والمديح أو الحضرة أو جذبة عيساوة وحمادشة.

ويتلهف عشاق الموسيقى الروحانية بالمغرب لحلول شهر رمضان من كل سنة، للاستمتاع بأمسيات السماع والمديح، والجذبة العيساوية أو الحمدوشية، لا سيما في المدن ذات التاريخ العريق، التي تحافظ على هذا التراث الموسيقي الديني بمختلف الطرق.

وتحرص مختلف المؤسسات الدينية وغيرها، على تنظيم أمسيات السماع الصوفي والمديح النبوي في ربوع المملكة، احتفاء بحلول الشهر الكريم.

ويزخر التراث المغربي بأشكال متعددة من الموسيقى الروحانية، والتي تنهل من الأشعار الصوفية في مناجاة الخالق ومدح الرسول، لكنها تختلف من حيث طريقة الأداء واستعمال الآلات الموسيقية أو عدمه.

فن السماع والمديح

ينتشر فن السماع والمديح في الحواضر المغربية دون القرى، ويتميز بطابع نخبوي، وبدأ في المغرب خلال عصر الموحدين منتصف القرن السابع للهجرة، مع بداية الاحتفال بعيد المولد النبوي.

لكن ظهوره الأول كان في سبتة، حيث لاحظ واليها المسمّى “العسفي” تقليد المسلمين للنصارى في احتفالاتهم بأعياد الميلاد، ففكر في خلق عيد بديل، يعبر المسلمون من خلاله عن الفرح والاغتباط، ويتضمن طقوسًا احتفالية موازية، تصرفهم عن تقليد النصارى، فكان الاحتفال بمولد الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومعه بدايات فن السماع والمديح.

ورغم اجتماعهما معًا وانحدارهما من مصدر روحي واحد، يجب التمييز بين فن السماع وفن المديح.

ففن السماع الذي ينهل من الشعر الصوفي المناجي للخالق المتلمس لسبل التواصل مع الملكوت الأعلى، لصيق بالشعر الصوفي الذي ظهر في القرن الثالث الهجري للتعبير عما يخالج صدور المتصوفة.

أما المديح فيختص في استحضار مآثر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذكر صفاته ومحاسنه والتعبير عن الشوق إليه.

وأبرز القصائد الصوفية التي يرددها المنشدون المغاربة: البردة والهمزية للبوصيري، والألفية لابن رشد البغدادي، والمنفرجة لابن النحوي وغيرها.

وكان فن السماع والمديح التقليدي يعتمد كليًا على الثقافة الأندلسية المغربية دون آلات موسيقية، إلا أن بعض المجموعات العصرية أدخلت عليه عددًا من الآلات كالدف والعود والناي.

الحضرة 

يتميز فن الحضرة في المغرب بكونه يقتصر على النساء، ويطلق عليهن اسم “الفقيرات” (بتسكين الفاء)، وهو مجموعة من الأذكار والمديح للتبرك بالله ورسوله وذكر الأولياء الصالحين.

واحتضنته عدد من الزوايا خاصة شمال المغرب كالزاوية الحراقية التطوانية، ومن أشهر الفرق حاليًا “الحضرة الشفشاونية”.

وتحرص نساء الحضرة على الأناقة وجمال المظهر خلال الإنشاد، فيرتدين أزياء تقليدية زاهية، ويضعن أغلى الحلي، كما يشكلن لوحة فنية من الجالسات بشكل مرتب، تتوسطهن رئيسة الفرقة، ولايستعملن أية آلة موسيقية إلا فيما ندر.

موسيقى الزوايا (عيساوة وحمادشة)

تتميز الوصلات الغنائية العيساوية بالتغني بالخالق وخاتم أنبيائه، بصوت مرتفع مع إيقاعات خاصة، مصحوبة بمجموعة من التعبيرات الجسدية النابعة من تماهي الروح مع نشوة ذكر الخالق، ويطلق عليها اسم “الجذبة”.

ويعود إبداع الموسيقى العيساوية التي مزجت بين الموسيقى الروحانية والمديح الصوفي والأداء الجسدي، إلى الطائفة العيساوية التي أسسها محمد بن عيسى المغربي في القرن الثامن للهجرة، وأصبحت زاوية لها فروع ومريدون في الكثير من المدن المغربية.

ويؤدي هذا اللون فرقة ترتدي زيًا موحدًا، باستثناء قائدها الذي يرتدي لباسًا مختلفًا، ودوره تسيير الفرقة وتحميس الجمهور لينخرط في الجذبة ، التي تتسارع حركاتها مع تعالي إيقاع الموسيقى، ولا تختلف عنها فرق حمادشة كثيرًا (نسبة إلى الزاوية الحمدوشية).

وأبرز الآلات الموسيقية التي تستعملها فرق عيساوة: التعريجة والطاسة والبندير والطبلة والدف وأبواق النفير.

ويمكن أن ندمج الإنشاد الديني الحساني وموسيقى كناوة أيضًا ضمن الموسيقى الروحانية في المغرب، وكلها ألوان فنية يحرص المهتمون على انتقالها للأجيال اللاحقة، وتحتضنها على الأخص الزوايا ، لذا يطلق عليها موسيقى الزوايا، إضافة إلى الجمعيات، وكل ذلك بتشجيع من الجهات الرسمية المختصة، حيث تنظم لها ملتقيات وأنشطة على مدار السنة، لكنها تتوهج في ليالي شهر رمضان الكريم.