أدب الفانتازيا في العالم العربي.. قطط وحكايات الغول الأحمر والسيد من حقل السبانخ‎

أدب الفانتازيا في العالم العربي.. قطط وحكايات الغول الأحمر والسيد من حقل السبانخ‎

لعل أدب “الفانتازيا”، هو الجنس الأدبي الوحيد، الذي يحرر مبدعه من المنطق والشكل والإخبار، ويعطيه فرصة ذهبية لكي يحلق في الآفاق، ويطلق لخياله العنان، فيكتب الروائي عن عالم متخيل، يخضع لقوانين فيزيائية، يختلف عن الذي نعيش فيه، ويتناول شخوصًا غير واقعية وخيالية محضة وغرائبية غالبًا، أو ميتافيزيقية تتناقض والحاضرَ والتجربة الواقعية، تبدأ من الأساطير والملاحم القديمة والميثولوجيا، وتمتد لتشمل أعمالاً حديثة، تتناول ما لم يحدث ولن يحدث.

العودة بالحديث لهذا النوع من الأدب الغريب والعجيب، يأتي بمناسبة سير الروائي إبراهيم عبدالمجيد، في درب الخيال الفانتازي، لأول مرة، بروايته الجديدة “قطط العام الفائت”، الصادرة مؤخراً عن الدار المصرية اللبنانية للنشر.

وتخلى عبدالمجيد، عن سرده الوقور لبنايات الإسكندرية وشوارعها، وحياة أهلها في ثلاثيته الشهيرة “لا أحد ينام في الإسكندرية” و”طيور العنبر” و”إسكندرية في غيمة”، وكذلك رواياته “هنا القاهرة”، و”في كل أسبوع يوم جمعة”، و”عتبات البهجة”، و”في الصيف السابع والستين”، و”ليلة العشق والدم”، و”البلدة الأخرى”، وغيرها من أعماله الكلاسيكية، ليبدأ في محاولة لطرح أفكاره عَبْرَ فضاء الخيال غير المحدود، بعيدًا عن المساءلات المبنية على القصد والنية، متناولًا أحداثًا جادة جدًّا في قالب فانتازي صارخ.

ومن خلال ما يقع في بلدة “لاوند”، التي وضعها الروائي إبراهيم عبدالمجيد، على خريطة الإنسانية، لتقوم بها ثورة في اليوم نفسه، الذي حدثت فيه الثورة، في بلد آخر، على الخريطة، تسمى “مصرايم”، وحتى لا يحاسبه أحد على هذا الخيال المفرط، في سخريته من واقعنا الاجتماعي والسياسي المأزوم، يؤكد أن أي تشابه في الأحداث التي جرت في عشية الثورة، في بلدة “لاوند”، وواقعنا، غير مقصود.

تتناول أحداث “قطط العام الفائت”، شخصية الحاكم أمير باشا أبو العساكر، الذي يتمتع بقدرات سحرية خارقة، حيث يُفاجئ الحاكم بثورة الشباب ضده، وتجمعهم في الميدان.

وبعد انهيار وزارة الأمن والأمان، يتدخل السر عسكر ناظر الحربية، ومساعده مدير المحن والأزمات “مُز”، الذي يتمتع هو الآخر بقدرات خارقة، حيث تخرج من أصابعه الثعابين الفتاكة، ويتفتق ذهنه عن إلقاء غاز من السماء على الثوار الموجودين في الميدان، بعد أن يحصل عليه من جماعة “النصيحة والهدى”، وهو غاز لا يقتلهم، وإنما يؤدي إلى تجمُّد أعضائهم لمدة يومين كاملين يفيقون بعدها، لينجح الحاكم في إلقاء آلاف الثوار المخدرين في الميدان إلى العام الفائت، حيث الأجواء الغامضة، فالأمطار تهطل، والثعالب تتربص بالشباب المخدرين، لكنها لا تجرؤ على الاقتراب منهم.

حتى تتدخل “سعاد حسني”، أو شبيهتها، والتي تتمتع بقدرات سحرية، بتحويلهم إلى قطط، حتى يعود الثوار إلى بيوتهم في أمان، وكذلك تحول الشباب المعتقلين، والمتظاهرين، ليرتبك النظام الحاكم الذي لا يعرف كيف يطارد الشباب الذين يتحولون فجأة إلى قطط.

وتستمر اللعبة الفانتازية بين الحاكم المستبد الذي يسخر كل إمكانياته وقدراته من أجل محاربة الشباب، وعدم إتاحة الفرصة لهم، ليكرروا الثورة حين يحل موعدها بعد مرور العام، وبين الشباب الذين يخططون لإعادة الثورة، مرة أخرى، بمجرد الوصول إلى العام الذي أصبح فائتًا، وينتظرون لحظة الوصول إليه للقيام بالثورة مرة أخرى.

رواية الكاتب المصري إبراهيم عبدالمجيد، الجديدة “قطط العام الفائت”، تذكرك بأجواء روائية فانتازية بامتياز، مماثلة في العمل الروائي الأول للطبيب محمد الدواخلي، والتي صدرت العام الفائت 2015، بعنوان “من حكايات الغول الأحمر الأخير”، وهي مليئة بهذا العالم الغرائبي، كما في حكاية السمكة الفتانة، وجبل الصاعدين وجبل الهالكين، والحكاية الأكثر من رائعة “الحداد أغاغول وثعبان السموم”، حيث تتخذ الرواية الطابع الأسطوري والفولكلوري في السرد، عن الشخصيات والحكايات، وهذا يجعلك إذا ما أغلقتها -وإن كنت تتمتع بذاكرة كالضباب أو لا تتمتع بها – وتفتحها من جديد، ستكتشف أشياء جديدة عن بطل الرواية الرئيسي عبدالشهيد ابن سمعان، الذي وجد نفسه متورطًا في معركة سياسية، تفوق قدراته وتخيله، وسط دسائس المماليك وغدر القراصنة، وتجبر قبائل بني الأسود والتاريخ السري للجماعة المكروهة المسماة بالغيلان الحمر، لتبدأ الصراعات هنا قوية جدًا، بين الأمراء والمماليك والقبائل الأساودة، والفرنجة والأهبال.

وربما تكون رواية الكاتب، صبري موسى السيد، “من حقل السبانخ”، والتي صدرت عام 1982 من أوائل الأعمال الإبداعية العربية، التي تنتمي لأدب الفانتازيا لخيالها الجامح وغرائبيتها المبهرة، والرواية مأساة محكمة لعالم فقد السيطرة على نفسه، فسمح للآلة أن تستعبده، ولكننا في هذه المأساة، نجد أن الصراع الحقيقي، يبدأ وينتهي قبل زمن الرواية، بل قبل زمن الحرب الإلكترونية الأولى.

3 Attachments