الشاعر سمير درويش.. المهاجر بعيون قاهرية في “مرايا نيويورك”

الشاعر سمير درويش.. المهاجر بعيون قاهرية في “مرايا نيويورك”

يحمل الشاعر المصري سمير درويش، في ديوانه الجديد الصادر منذ أيام، عن الهيئة العامة للكتاب في مصر، بعنوان “مرايا نيويورك”، حقيبة ضخمة، ترافقه أينما ذهب في قصائد الديوان الواحدة والثلاثين، تحتوي على مئات الذكريات والحكايات القاهرية الحميمة مع البشر والشوارع والمقاهي، مع رفقاء الحياة أو ساعات الوحدة الحزينة، يكتب قصائده عن مدينة نيويورك الأمريكية، بعيون المهاجر قسرًا عن عالمه وثقافته.

الحوار في كل قصائد الديوان لا ينقطع مع الأنثى في تجلياتها المختلفة، الأنثى التي كانت مقدسة في الماضي – حتى في قصيدته هو وإنْ بدرجات – ورضيت أخيرًا أن تتحول قداستها وأسطوريتها إلى لحمٍ ودم، إلى طعامٍ ورائحةٍ وملمس، في حوار إنساني في الأساس، يعكس روح الإنسان القلقة، من خلال تقنية المشهد التي يبدو فيها الشاعر حياديًّا في الظاهر، لكنه في العمق متورط في كل تفصيل، كما يواصل درويش لعبة تقطيع المشهد الكلي إلى مقاطع متتالية، يعمق كل منها الآخر، ليصنع لوحة فسيفسائيَّة في النهاية.

يخلص الشاعر سمير درويش “قصيدة النثر” من كافة الحمولات الفنية، التي تخص القصيدة الكلاسيكية أو التفعيلية في أحسن الأحوال، فهو يلجأ في قصائده إلى تضمين نصوص ومعارف ثقافية متنوعة، كالقرآن الكريم، والكتب القديمة والموسيقى والفن التشكيلي والموروثات الشعبية وغيرها.

وفي مرحلة أخرى، يخاصمها جميعًا ويلجأ إلى المشهدية، يعكس ما يدور حوله دون أن يتدخل فيه، وفي مراحل أخرى يصغى إلى صوت الطبيعة ويتمثله، دون قانون سوى قانون القصيدة.

ينضم درويش، إلى كتيبة شعراء جيل الثمانينيات الذين شكلوا تيارًا ونوعًا أدبيًّا جديدًا قابلاً للإضافة والحذف، واقتراح جماليات جديدة لم تكن معروفة في الشعر الكلاسيكي.

فمن يقرأ نتاج “قصيدة النثر” في السنوات الـ15 الأخيرة، ومنها دواوين “درويش”، يستطيع أن يلاحظ المحاولات الدؤوبة للتخلص من أسر الجماليات القديمة لصالح جماليات أخرى مختلفة، كأن تكون القصيدة قصيرة شديدة التكثيف كطلقة، وأن تتخلى نهائيًّا عن مجاز الصورة التي كانت تصنع مفارقة في كل سطر شعري، وبين كل كلمتين متجاورتين، لمصلحة مجاز القصيدة كوحدة بنائية كلية، تصنع مفارقتها مع الموجودات حولها: اللغة والإيقاع والأشياء والوجود والعالم.

ولعل ديوان الشاعر سمير درويش، “يوميات قائد الأوركسترا”، هي الأوضح في هذا النهج، على الأقل لأنها محاولة لكتابة الشعر بمزاج اليوميات بما فيها من تسجيل وصدق وواقعية واهتمام بالذاتي والآني، أو الخروج والانعتاق من ذاته المثقلة بتاريخ الشعر العربي كله، إلى ذاته التي تكتشف الشعرـ وهي تتنفس مع السماء وسط زحام المارة.

يقول الشاعر المصري، عن شيطان الشعر حينما يتلبسه “عندما أكتب القصيدة لا يكون بيني وبين الواقع حجابٌ، لا أفعل مثلما كان يفعل الشعراء القدامى، حين يجعلون من اللغة والصورة حاجزًا بين ما يحسونه وما يكتبونه بالفعل، أنا لا أجيد تحويل البشر إلى تكوينات تجريدية، ولا المواقف إلى حكايا رمزية، لأنه في هذه الحالة لن تكون هناك فوارق بين الملامح، ولا تمايزات بين الحكايا، وبالتالي ستتشابه القصائد بشكل لا يجعل شعري مثلاً يختلف عن شعر من سبقوني أو أقراني أو من سوف يأتون بعدي”.

وأضاف “هذه الطريقة القديمة في الكتابة، تؤدي إلى شيئين أحلاهما سيئ، الأول أن تكتب القصيدة نفسها دون حاجة إلى شاعر يكتبها، فتستدعي المفردة نظيرتها من قاموس واحد عقيم، والثاني هو نتيجة حتمية ـ أن تفقد القصيدة حرارتها، وبالتالي تفقد تأثيرها على المتلقي وعلى الشاعر ذاته الذي يحتاج إلى دفء الشعر لكي يستمر في الكتابة والوجود”.

يأتي الديوان الخامس عشر “مرايا نيويورك” لسمير درويش، بعد ربع قرن من إصدار ديوانه الأول “قطوفها وسيوفي”، الذي صدر العام 1991 عن هيئة قصور الثقافة، وما بينهما شغل الشاعر عدة مناصب ثقافية، وشارك في العديد من المهرجانات داخل وخارج مصر، وصدر له ديوانان في كتاب واحد، تمت ترجمتهما إلى الإنجليزية عن دار “أوستن ماكولي” في بريطانيا.

كما نال جائزة معرض الكتاب في نسختها الأخيرة عن ديوان “أبيض شفاف”، وترجمت له عدة دواوين إلى اللغة الإنجليزية، وبعض قصائده إلى اللغتين الفرنسية والألمانية.

حصل على جائزة الرواية من نادي القصة في القاهرة  العام 2004 عن روايته “خمس سنوات رملية”، ومن دواوينه “قطوفها وسيوفي”، “موسيقى لعينيها/ خريف لعيني”، “النوارس والكهرباء والدم”، “الزجاج (قصيدة طويلة)”، “كأعمدة الصواري”، “يوميات قائد الأوركسترا”، “من أجل امرأة عابرة”، “تصطاد الشياطين”، و”سأكون ليوناردو دافنشي”، إلى جانب روايتين هما “خمس سنوات رملية”، و”طائر خفيف”.